الأربعاء 2026/1/21 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد -0.05 مئويـة
نيوز بار
ما ننكره اليوم… سندفع ثمنه غداً
ما ننكره اليوم… سندفع ثمنه غداً
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

سمية زكي البطاط

كاتبة

 

ما حدث لفتاة البصرة ليس غريبًا عن مجتمعنا، والقول إنه «دخيل» لا يعد دفاعًا عن مدينة أو أعراف وتقاليد، أساسًا لا يجب أن تقحم الأعراف والعادات والتقاليد  بمثل هذه الجرائم والأحداث، والنكران هو هروب من الحقيقة.

هناك حقيقة مؤلمة هي أن الجريمة لا تولد فجأة.

بل هي نتيجة ثقافة تستهين بالضحايا، وتُطَبِّع مع العنف، وتُعلِّم المعتدي أن الإفلات ممكن، وتُعلِّم الضحية أن الصمت أَسلم.

لكن الأكثر قسوة هو السؤال:  ماذا كانت ترتدي؟ أو لماذا خرجت؟؟ أو عندما يتحول الغضب من الفعل إلى فضيحة، فإننا لا نحمي الأخلاق، بل ندفن العدالة.

القضية ليست فتاة البصرة وحدها. القضية هي نحن: كيف نفكر، كيف نُربي، ماذا نبرر، ومتى نصمت وهي ليست قضية سمعة مكان أو مجتمع فالتفكير بهذا الشكل يبعدنا عن جوهر المشكلة التي سببت وجعا لا يمكن أن يمحى مع الوقت وجرحا لا يمكن أن يزول أثره وجعلت منا مجتمعا كريه الرائحة لدى شابة في مقتبل العمر ومهما حاولنا تلميع صورتنا في المستقبل فسوف لن يجعلها سعيدة إنما ما يجعلها كذلك هو أن نعترف بحجم الجريمة لا أن نقلص حجمها، وأن نعاقب المعتدي أشد عقوبة لكي نوصل رسالة نزيهة لكل أنثى (جسدك مقدس ولا يحق لاحد أن يتطاول أو يعتدي عليه) بهذا الشكل فقط نرفع عن قلبها الضيم والكرب..

هذه دعوة للاعتراف بوجود الخلل وهذا الاعتراف ليس خيانة للمجتمع، بل هو أول أشكال حمايته. والدفاع عن الضحية وليس تشويهًا للسمعة، بل محاولة لإنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا..

إن المجتمع الذي يُغتصَب فيه حيوان ولا يتحرك فيه قانون، ويُعتدى فيه على ذوي الاحتياجات الخاصة ويُقابلوا بالتنمر، ولا من رقابة تحميهم، ويُختطف فيه طفل ثم تُنسى قضيته، هذا مجتمع لا يملك رفاهية إنكار العنف عندما تكون الضحية شابة أو امرأة.

تابعتُ مؤخرًا لقاءً مع الشاب عبد المهيمن عبدالمجيد وهو شاب ولد بلا ذراعين، الذي تحدّث  بمرارة عن التنمر والاعتداء الذي يتعرض له فقط لأنه مختلف. قصته ليست استثناءً، بل دليل إضافي على أن المشكلة أعمق من حادثة واحدة.

لنعترف بأن تبرير الجريمة، أو تسميتها «حالة فردية»، أو تحويل اللوم  على الضحية، هو مشاركة غير مباشرة في استمرارها. ولا يمكن أن يكون الصمت والإنكار حلاً بل هو فعل غير أخلاقي..

إذا كنا نصنف أنفسنا بأننا مجتمع ضارب في عمق الحضارة والتاريخ ولنا دور أولوي في صناعة القانون فعلينا الاعتراف بالخلل الصادر من الأفراد الذي يسيء للمجتمع، وللتاريخ الذي نتشدق به. إذا كنا أمة تنتمي لديانات مختلفة بالفعل وكلها تنهي عن فعل المحرمات وتوصي بالعدالة بتقدير الإنسانية  فواجب علينا أن نطالب بمعاقبة كل من يتعدى على الإنسان والحيوان والنبات ويكسر قوانين الحماية والاستقرار وهذا بلا شك صوت صارخ لخطوة أولى في الإصلاح.

أما الكذب على أنفسنا والادعاء بأن الأحداث معزولة وتأخذ أكثر مما تستحق، فهذا القناع لن يحمي أحدًا… لا فتاة البصرة، ولا عبد المهيمن، ولا السائح الياباني ولا فتاة الرصيف.

المشـاهدات 32   تاريخ الإضافـة 21/01/2026   رقم المحتوى 69990
أضف تقييـم