| النـص :
ظاهرة المشي في مناسبات وفيات الائمة عليهم السلام فريدة من نوعها ولهذا فهي تستحق الوقوف والدراسة من عدة جهات عقائدية وروحية واجتماعية وسياسية كونها ليست حركة طارئة في التاريخ بل أصبحت احد محركات التاريخ حيث انها تبني مجتمع بمواصفات تتناسب مع تحديات ومقتضيات العصر الحاضر الذي كثرت فيه المغريات الجارفة التي يصعب الوقوف امامها والمحافظة على كيان الفرد وهوية المجتمع ما لم يوجد بُعد اخر في حياتنا غير العبادات المعروفة نستند عليه ليقينا تلك الاخطار والمطبات.ان ظاهرة المشي تعبر بشكل واضح عن حب المشاية للائمة عليهم السلام ولو اعطيتهم مالاً ليقطعوا هذه المسافة الطويلة لما ترجلوا ومشوا، وحتى اذا مشوا من اجل المال ستقل عزيمتهم ويفترون وربما يلجأون الى التحايل فيبحثون عن وسائل أخرى للوصول الى الهدف المتفق عليه من اجل الاحتفاظ بالمال. كما ان هذا المشي هو تعزيز الالتصاق بهم والاقتراب من تضمين سيرة حياتهم بحياة الماشي حيث انه يستذكر ويستنكر ما جرى عليهم من ظلم واقصاء. كما انها محاولة متواصلة بايصال رسالة توجيهية للعالم وبالأخص المسلمين منهم ان هناك اشخاص نقتدي بهم وهم علماء حكماء قتلهم الحكام الظلمة الذين يمدحوهم ويرفعوا من شأنهم وهم ليسوا سوى ظلمة للناس في ذلك الوقت، وانما الائمة من اهل البيت عليهم السلام كانوا المثال الأبرز والأكثر وضوخا لهذا الظلم بسبب مكانتهم والا لضاعوا كما ضاع المظلومين من غيرهم في حفر الظالمين ودهاليزهم ولا احد يعرف عنهم شيء سوى بقايا عظامهم إذا بقت ولم تندثر. فيكون هذا المشي هو فضيحة وكشف الستر عن هؤلاء الظلمة الذين ابقوا لهم وعاظ السلاطين من المؤلفين القدماء والحاضرين ذكراً طيباً في بطون الكتب حتى ظن القارئ من غير اتباع اهل البيت عليهم السلام ان اهل البيت عليهم السلام هم ظلموا انفسهم كونهم خرجوا على امامهم وقتلوا بسيف جدهم وشقوا عصا الامة بعد ان كانت موحدة تحت حكم الظلمة.ومرت علينا قبل أيام ذكرى وفاة الامام موسى بن جعفر الكاظم وقد مشى اليها الشيعة من كل مكان. والمشي في وفاة الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام له خصوصية، وإن كانت تشترك مع المناسبات الأخرى في امر مهم وهي انها تمثل فضيحة لحكم بني العباس كما كانت شهادة الامام الحسين عليه السلام فضيحة لحكم بني امية، وشهادة الزهراء عليها السلام كشف لما اريد اخفاؤه من حكم الخلفاء بعد رسول الله صلوات الله عليه واله والحوادث التي جرت فيه والظلم والتجاهل الذي وقع على الامام علي والزهراء عليهما السلام مع علو مقامهما وتوصية رسول الله صوات الله عليه واله بهما. اما خصوصية زيارة الامام الكاظم عليها السلام التي تتجدد سنويا وتشبه زيارة الأربعين من هذه الجهة- وهي الوحيدة التي تشبهها كونها تنطلق من المحافظات نحو بغداد- فهي انها تلقي الضوء على جانب اخر من حياة المظلوم وهي سجنه والموت في السجن. فالحسين عليه السلام قتل في المعركة، اما بقية الائمة عليهم السلام فلم يسجنوا بل قتلوا اما بالسم او بالاغتيال بالسيف مثل الامام علي عليه السلام وتعرضوا الى التهجير والإقامة الجبرية التي يشترك معهم فيها الامام الكاظم عليه السلام وزاد عليهم انه قد سجن وتعرض للظلم والاذى من سجانيه ومن هارون الرشيد الذي يعتبره ثلة من المسلمين ذو مكانة كبيرة، وهو في الواقع لا قيمة له مادام حكم بالظلم، ومن رضي به وايّده انما هو مثله. فالمشي للامام الكاظم عليه السلام يوجه رسالة للجميع من ان السجن هو مظهر اخر قاسي من الظلم وكان لابد من القاء الضوء عليه حتى يتجنب الحكام ظلم الانسان البريء بل ويعطي درسا للسجانين ان يكون لطفاء رحماء مع المسجونين. فالمشي في زيارة الامام الكاظم عليه السلام هو ذو مغزى سياسي بجانب كونه ذو بعد روحي وعقائدي. فالفرد يستفاد من هذا المشي ليربي نفسه روحيا وعقائديا وسياسياً حيث يستمد من المظلوم المنهج الرافض للظالم، وهو بمشية انما يقرر ان لا يظلم ويرفض الظلم ولا يقف مع الظالمين.اما ما نراه من تلك الحوادث التي تقع هناك وهناك ويقتل ويتقاتل فيها عدد من المحسوبين على الشيعة من اتباع اهل البيت عليهم السلام فهؤلاء بلا شك ليسوا من المشاية ولا اعتقد انهم مشوا يوما ما الى الائمة عليهم السلام. فمن يمشي مسافات طويلة قاصداً مشاهد الائمة عليهم من اهل البيت عليهم المظلومين تأخذ حياته مساراً اخر مشبع بالروحانية، ومن كان على هذه الحالة من التلبس الروحي لا يمكن ان يفكر في القتل او يتقاتل على مجرى ماء لم يصل الى مزرعته. نعم، ان الانسان لا يمكن تصفيته تماما من الشوائب، فيقع منه الغضب الذي يقود الى الصراع مع الاخرين حتى من ارحامه ولكن لا تصل الامور الى القتل، فاذا وصلت الى القتل فقد رفع منه روح الايمان وصار انسانا اخر. ان علينا ان نتعلم من سيرة الائمة عليهم السلام ومنها سيرة الامام الكاظم عليه السلام ان الظلم والظالم لا يدوم وانما يبقى الصالح الطاهر الرافض للظلم والظالمين والدليل هو شموخ قبة الكاظمين والمشي اليه بينما لا تجد لمن ظلمه مزار ولا مكان وتلاحقه اللعنات أينما ذكر فأيهما أطول بقاء واكثر تأثيراً في الحياة من هلك واندثر ام من بقى وانتشر.
|