قصة قصيرة
أين الحلول .....؟![]() |
| قصة قصيرة أين الحلول .....؟ |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
د. عبد الحسين علوان الدرويش
كان الملك التتري خدا بنده ، أحد أبرز حكام الدولة الايلخانية في فارس ، وقد اشتهر الملك بتقلباته الدينية ،حيث كان في البدء اعتنق المسيحية في طفولته ، ثم بعد ذلك اعتنق الإسلام ،وقد شيد إمبراطورية مترامية الأطراف ، وجعل لها ( سلطانية ) عاصمة له ، التي تمتاز بقبتها العظيمة ، والتي تعتبر إحدى أضخم القباب في العالم ، وهي بمثابة اهم انجازات عهده المعمارية ، وتابع الإصلاحات الإدارية ، ودعم الترجمة والعلوم الإنسانية والعلمية ، والاهتمام بالثقافة الإسلامية والفنون . وكانت زوجته خاتون وهي من الأسر المغولية الأرستقراطية المتصلة بالبلاط الاليخاني ، ولها مكانة سياسية مما جعل زواجها جزءًا من التحالفات الدولية ، وتعتبر من سيدات ذوات الشأن ،تجيد الأعراف البروتوكولية في البلاط الملكي ،واطلاق تسمية خاتون عليها والتي تعني السيدة النبيلة ذات المقام العالي ونفوذ في القصر تعكس الهيبة والوقار ، وهي من الملكات المتنفذات في البلاط السلطاني ،ولها تأثير في اتخاذ القرارات السياسية والاجتماعية ، وخبرة واسعة في إدارة شؤون الحريم ،رزينة هادئة الطبع قوية الشخصية محبة للعلم والدين ،حيث كان لها دور في رعاية طلاب العلم والعلماء، وتثبيت نفوذ الاسلام في البلاط الاليخاني ،وهي ملكة حكيمة ذات جمال هادئ وهيبة صامتة ونفوذ راسخ . وفي أوائل القرن الثامن الهجري ، عندما حدثت مشكلة عويصة والتي بسببها قام الملك بطلاق زوجته خاتون طلاقا ثلاثيا في لحظة غضب جامحة !!!!! ، وبعد هنيهة وزوال موجة الغضب المتقدة ، ندم الملك على فعلته أشد الندم ....ولكن لا مناص من الرجوع الى الفقهاء لحل هذه المشكلة الفقهية التي اشتهرت بين العامة والخاصة من رعايا مملكته ، وعندها حضروا مجلس الملك فقهاء العامة لعقد جلسة طارئة لمناقشة هذا الأمر الجلل ، وبعد المناقشة والحوار قال الملك: ايها الفقهاء رحمكم الله ... أفتونا لحل هذا الأمر الذي ارقني وقلب سعادتي إلى جحيم لا يطاق!!!!! وهنا اتفق فقهاء العامة الذين أفتوا للملك: بأن طلاق الثلاث دفعة واحدة.... وبهذا الحدث لاتحل له إلا بعد محلل !!!!!!! وعندها غضب الملك أشد الغضب من هذا الحكم وقال : كيف أحرم زوجتي خاتون العزيزة بكلمة واحدة ؟؟؟؟ ،وهذه الواقعة زعزعت ثقته ببعض فقهاء العامة المقربين منه !!!. وهنا قال الملك في حينها : إلا يوجد هناك تأويل مختلف لمسألة الطلاق ؟؟؟ وعندها أجابوا فقهاء العامة بالنفي القاطع ، ولكن انبرى أحد وزرائه بالقول الثابت: أن هناك عالماً بالحلة يفتي ببطلان هذا الطلاق !!!! ، وعندها شعر الملك بالانشراح والغبطة والفرح والسرور ، وكانت بائنة على ملامح وجهه المبتسم لأول مرة بعد الحادث الأليم ، في وقتها أمر الملك بأن يبعث بكتاب إلى العلامة الحلي لكي يحضر لحل هذه المشكلة ، مختوم بمهره الخاص على الشمع الاحمر ، دلالة على السرية والفورية . وهنا تساءل علماء فقهاء العامة المحيطين بمجلس الملك ، وقالوا له : إن لهذا العالم الحلي مذهبا باطلا ،واردفوا بالقول: أنه من الروافض الذين لاعقل لهم... ولا يليق بالملك أن يبعث إلى طلب رجل خفيف العقل .... !!!!! ، وعندها رد الملك بحزم : حتى يحضر العلامة الحلي ... وحينها يكون الحكم عليه!!!!!! .
عندما نشأ العلامة الحلي في أسرة علمية كبيرة ، فجده ووالده من كبار الفقهاء ،وقد اصبحت مدينة الحلة بفضله وبفضل تلامذته مركزاً علمياً عالمياً في القرن السابع الهجري ،وانتشرت مكانته العلمية ومؤلفاته التي تجاوزت ١٢٠ كتاباً في مختلف العلوم الإسلامية ،في بقاع العالم الإسلامي. وكانت تأتي اليه الوفود زرافات....زرافات من كل فج عميق، وفي إحدى المرات جاء رجل وقد قطع المسافات والصحراء والفيافي ،يسعى إلى مجلس العلامة الحلي ، يقصده بمسائلة احتار في تفسيرها ، وعندما وصل مدينة الحلة ، وكانت الشمس افلة للمغيب و هي تحمل معها وعدا بفجر جديد يضئ الطريق ، فراح يسئل عن بيت العلامة ، وصدفة التقى بشاب طالب علم قال له وهو يلاطفه: أنا خادمكم أحد طلاب العلامة الحلي ... واردف بالقول: لعلي أن أقوم بخدمتكم وحل مسئلتكم !!!!! ،فقال له الرجل: لكنني قصدت العلامة الحلي بهذه المسألة!!!!، وهنا قال له الشاب : لقد أشرفت الشمس على المغيب ، وبعد بضعة دقائق ندخل وقت صلاة العشاءين ...واستكمل الشاب حديثه مع الرجل الغريب: يشرفني أن أدعوك الي بيتنا المتواضع في محلة التعيس وهي من المحلات الشعبية القديمة ، لما تحويه من تراث دفين وموقع وسط المدينة ، وهي من أوائل المحلات منذ أن مصرت الحلة ، وترجع تسميتها إلى وجود مرتفع يسمى تل العيس ، والعيس معناها الجمال وتلفظ أحياناً تاعيس ، ومن ملاحظة الأزقة التي تتميز بوجود السلالم في بداية الأزقة الضيقة ، دلالة واضحة على أن المحلة بنيت فوق مكان مرتفع ، وتضم محلة التعيس العديد من المساجد ومنها مسجد التعيس ، ومن مراقد المحلة هو مرقد الشيخ ورام وهو أحد أحفاد الصحابي الجليل مالك الاشتر. وبعد أقامت صلاة العشاءين ،وقام الشاب بالضيافة وهو يقول له: أهلا وسهلا بضيف الله ، وبعد وجبة العشاء قال له الشاب : أرجو من حضرتكم طرح المسئلة التي اتيت من أجلها ، فقال الرجل: هناك جمع غفير من الناس ،وفي أرجاء المعمورة ،يقومون عادة بالتوسل بالدعاء بالأمام ابو تراب لقضاء الحوائج ودفع المكروه ، ويكون التوسل بالأمام وسيلة وذلك لمنزلته عند الله تعالى ، ويستمر الحديث الرجل : وقد طرق سمعي هذا التوسل بالأمام ، من جميع العامة والخاصة من الناس ، وقد تصل الاعداد إلى المئات أو الآلاف أو ما نستطيع احصائها ، ونحن على يقين أن هذا الإمام شخص واحد لا غير .... فكيف يلبي دعوة التوسل به من هذا الجمع المليوني !!!!!!. وفي تلك اللحظة قال الشاب للرجل وهو مبتسماً: أصعد معي على سطح الدار ، وقد أمرهم بجلب عشرات من الأواني النحاسية ،وكان الليل الهابط الذي تميز ببياض نور قمره ، حيث يكون القمر في هذه الأيام بدرا كاملاً ، وهنا قال لصاحبه وهو يحاوره: ماذا يوجد في هذه الليلة الظلماء،اجاب الرجل أنه البدر التمام ، وبعد ذلك قال الشاب : هل يوجد غير البدر في هذه السماء الصافية ؟؟ ، أجاب الرجل: لا يوجد ، وهنا أخذ الشاب بمسك يد الرجل الضيف وقال له : انظر الى تلك الأواني النحاسية العديدة!!!! ،اجاب الرجل مذهولا من شدة ذكاء هذا الشاب وهو يردد : أرى البدر في كل تلك الأواني !!!!! ،هنا قال الشاب طالب العلم: الآن حصحص الحق ، فتعجب الرجل أيما اعجاب من علم الشاب وتأدبه ونباهته ومنطقه بالاستدلال والاستقراء ،وقال الرجل له : انتم أحد تلاميذ العلامة الحلي ، فكيف بالعلامة الحلي !!!!! ، وعند ذلك شكره الشكر الجزيل وقفل راجعاً إلى أهله. فلما حضر العلامة الحلي إلى مجلس الملك خدا بنده ( عبدالله) ،عندها قام الملك بدعوة جميع علماء المذاهب الأربعة وجمعهم ،وعندها نادا المنادي بدخول العلامة على قصر الملك وهو متأبطا نعليه!!!!! ، ودخل المجلس في القاعة العالية السقف ، ويتوسط القاعة العرش الذي يجلس عليه الملك ، المصنوع من خشب الأبنوس المطعم بالعاج ، ومستند الظهر مرتفع جدا ، منقوش بزخارف ملكية ونقوش تاريخية يعلوه تاج محفور يمثل رمز الدولة ، والذراعان للعرش مزخرفتان برؤوس نسور ترمز للقوة والهيمنة ،والمقعد مبطن بالمخمل القرمزي الداكن ،وارضية القاعة رخام أبيض بخيوط سوداء وفضية ، تعكس الضوء الطبيعي الذي يتسلل من نوافذ عالية بزجاج ملون ، فتمنح المكان مهابة ووقارا ، وخلف العرش جدار حجري مرسوم ومحفور ومطعمة بالأحجار الكريمة والزمرد ، وفيه مدونات تمجد الانتصارات التي تم تحقيقها في عهده . وعندما وصل العلامة إلى عرش الملك ، قال: السلام عليكم ،وبعدها جلس بجانب الملك ، وعندها ضجت القاعة باللغط والهمهمة وهم يتساءلون بما فيهم الوزراء والمستشارين وأصحابه المقربين ، فقالوا للملك بصوت واحد: ألم نقل لك أنهم ضعفاء العقول !!!!!!، وفي تلك اللحظة قال الملك: اسألوا العلامة بما اظهره من كل فعل أو إشارة وحركة!!!! ، فقالوا للعلامة: لما لم تسجد للملك وتركت الآداب ؟؟ ، وهنا رد العلامة عليهم: لا خلاف بيننا.... أنه لا يجوز السجود لغير الله تعالى ، وبعد ذلك سئلوا: لم جلست قرب الملك ؟؟؟ ، أجاب العلامة: لم يكن هناك مكان غيره!!!! ،وكان العلامة يتحدث اللغة العربية بطلاقة ، ويوجد هناك مترجم من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية ، وبعد ذلك سألوا العلامة: لماذا تأبطت نعليك...!!! واردفوا بالقول: وهذا التصرف لا يليق بعاقل...بل أي إنسان!!!! ، وهنا أخذ يجيب العلامة : خفت أن يسرقه الحنفية كما سرق أبو حنيفة نعل الرسول!!!!!! ، وهنا صاحت الحنفية : كلا وألف كلا...متى كان أبو حنيفة في زمن الرسول!!! ،بل كان تولده بعد المائة من وفاة الرسول!!!! ، وهنا قال العلامة: لقد نسيت لعل كان السارق الشافعي !!!! ، فصاحت الشافعية بصوت واحد وقالوا: كان تولد الشافعي في يوم وفاة أبي حنيفة ، وكان أربعة سنين في بطن أمه...لا يخرج رعاية لحرمة أبي حنيفة!!!!!!!!!! ، وكان نشؤه بعد المائتين من وفاة الرسول !!!!!، وهنا قال العلامة : لعله كان مالك !!!! ، فقالت المالكية بمثل ما قالته الحنفية !!!، وبعد ذلك أردف بالقول العلامة: لعله كان أحمد بن حنبل!!! ، وعند ذلك قالوا بمثل ما قالته الشافعية !!!!. وعند ذلك توجه العلامة بكلامه إلى الملك قائلاً: أيها الملك لقد علمت أن رؤساء المذاهب الأربعة لم يكن أحدهم في زمن الرسول ، ولا في زمن الصحابة...واسترسل بالحديث : فهذا أحد بدعهم أنهم اختاروا من مجتهديهم الأربعة ، ولو كان منهم من كان أفضل منهم بمراتب ...ﻻ يجيزون أن يجتهد بخلاف ما أفتاه واحد منهم!!!!!!! ، وهنا قال الملك : هل كان أحد من المذاهب الأربعة في عهد الرسول وأصحابه ؟؟؟؟؟؟ ، وهنا قالوا جميع أصحاب المذاهب الأربعة: ﻻ !!! ، وهنا استطرد العلامة بالقول: نحن أصحاب وأتباع مذهب أهل البيت...نسير على خطى أمير المؤمنين الإمام علي وهو نفس الرسول وأخيه وأبن عمه و وصيه . وبعد ذلك بادر العلامة بالقول السديد : على أي حال فالطلاق الذي أوقعه الملك باطل ... !!! لأنه لم يحقق شروطه ومنها العدلان ، وهنا طرح سؤاله للملك : فهل قلت ذلك الطلاق بمحضر العدلان ؟؟؟؟؟ ، فكان جواب الملك: ﻻ ... !!! . وبعد ذلك شرع الملك في الحوار والمناقشة مع علماء العامة ، وحينها قال الملك كلمته الفصل في ذلك الموقف ، مخاطباً العلامة الحلي: ليس بيننا وبينكم اي خلاف ، لقد القيت علينا الحجة وألزمت علماء المذاهب الأربعة ، بالبرهان والدليل القاطع ، والله العلي العظيم لأقول كلامي هذا أمام الملأ: فأنا منذ هذه اللحظة الفاصلة من أتباع مذهب أهل البيت ، ثم أردف بالقول مخاطباً العلامة الحلي : اذهب أينما شئت.... فأنتم آمنون... من سبكم أو إذاكم عوقب عقاباً شديداً......
كتبت في تونس بتاريخ ١٢ /١/ ٢٠٢٦ م |
| المشـاهدات 102 تاريخ الإضافـة 25/01/2026 رقم المحتوى 70124 |
أخبار مشـابهة![]() |
الهاربات.. مِمَّ تهرب النساء؟ وإلى أين؟
|
![]() |
العملاق» فيلم يروي قصة الملاكم نسيم حميد ومدربه |
![]() |
قصة قصيرة
قصة كتاب |
![]() |
قصة قصيرة
دمعة ندم |
توقيـت بغداد









