السبت 2026/1/17 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
ضباب
بغداد 4.95 مئويـة
نيوز بار
قصة قصيرة دمعة ندم
قصة قصيرة دمعة ندم
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

                 

فاضل محمد الربيعي

 

سدرة تتوسط  باحة المدرسة تتراقص اوراقها مع نسيمات عذبة تداعبها بغنوج  ,خطواتٍ رصينة يملؤها وقار البدلة العسكرية المرقطة، دخل "أبو كمال" مدرسته التي  كان قد درس فيها، يرافقة ابنه "كمال" الذي كان يخطو بجانبه بوجلٍ طفولي. لم يكن المكان مجرد بناية من طابوق، بل كان ذكرى لزمن، تزاحمت فيه أصوات الماضي خلف كل نافذة.

توقف "أبو كمال" فجأة أمام السدرةٍ ، الشجرةٌ العتيقة الضاربةٌ بجذورها في أعماق الأرض كما هي ذكرياته. لامس خشبها الخشن بيده التي اعتادت حمل السلاح، فاستحضر طيف زملائه وهم يتسابقون في ظلها، يتقاسمون شطائر الخبز وأحلاماً كانت تبدو حينها في متناول اليد. تذكر كيف حفروا يوماً أسماءهم على ساقها، غائبون خلف غبار السنين، بينما بقي هو "الجندي المرابط"، يحرس حدود الوطن والذكريات معاً

دخل الأب وابنه إلى غرفة المدير، الغرفة ذاتها التي كانت قديماً تبدو له كحصن منيع .وجد المدير الاستاذ فوزي لايزال جالسا خلف مكتبه بوقاره المعهود ,كان الاستاذ فوزي كالنخلة شموخا يضع نظارتة على ارنبة انفه , بعد ترحيب حار يليق بجنديٍ نذر عمره للبلاد، فُتح  المدير سجل "كمال" وبدأ الحوار الذي هزّ أركان نفس "أبو كمال

قال المدير بصوتٍ رخيم يشبه صرير الأبواب العتيقة

:- يا أبا كمال، ابنك يحمل في عينيه ذكاءً وقاداً، لكنه يتركه نهباً للإهمال. إن المقعد الدراسي الذي يجلس عليه الآن هو خندقه الأول، فإن خسر معركته هنا، سيتعب كثيراً في معارك الحياة الكبرى ,

أطرق "أبو كمال" برأسه، وشعر بوقع الكلمات كأنها قذائف تخترق صمته ثم أجاب بصوتٍ مخنوق بالهيبة

:- أستاذي.. أنا اليوم أحرس حدود الأرض بالسلاح لكنني أدركتُ متأخراً أن الحدود الحقيقية تُحرس بالعقول ايضا. كنتُ أظن في صباي وأنا أقف في هذا المكان تماماً أن الحياة مجرد مغامرة، وأن الكتب قيود.. والآن وأنا أرى ابني يكرر تهاوني أشعر أنني أقرأ كتاب خيبتي القديم  من على ضفاف الندم

ابتسم المدير بأسى، ووضع يده على كتف الجندي قائلا

  : - العلم لا يمنحنا الوظائف فحسب، بل يمنحنا الرؤية الثاقبة . أنت بطلٌ في ميدانك لكنني أريد لـ (كمال) أن يكون بطلاً بوعيه أيضاً

هنا، لم يتمكن الجندي الذي لم تهزه المدافع من حبس دمعةٍ تمردت من عينيه، دمعة ندمٍ صافية سقطت لترسم على وجهه خارطة وجع قديم. نظر إلى ابنه وقال بنبرة تقطر عذوبة وألماً

:- يا ولدي. انظر إلى هذه البدلة التي أرتديها إنها شرفي، لكنني أريد لقميصك المدرسي الأبيض أن يظل ناصعاً بالنجاح. لا تجعلني أبكي مرتين. مرة على ما فاتني ومرة على ما قد يفوتك. احمِ مستقبلك بالقلم، كما أحمي أنا ترابك بالبندقية

خرج "أبو كمال" من الغرفة، ومرّ ثانية بالسدرة، لكنه هذه المرة لم يلمس جذعها، بل قبض على يد ابنه بقوة وكأنه يغرس فيه بذرة عهدٍ جديد تحت ظل شجرة لا تموت ذكرياتها

أما الصغير كمال، فقد كانت تلك الدمعة التي انحدرت من عين والده الجندي الصلب بمثابة زلزالٍ هزّ أركان عالمه الصغير. لم يرَ في حياته والده إلا جبلاً لا يتزعزع، فإذا بتلك الدمعة تُعلمه أنَّ الندم أثقلُ حملاً من السلاح وأنَّ الحرف قد يكون أمضى من الرصاص

شعر كمال في تلك اللحظة بخجلٍ نبيل يجتاح وجدانه, لم تعد كلمات المدير مجرد نصائح عابرة، بل صارت ديناً في عنقه لوالده الذي يحرس الوطن بجسده ويحرس مستقبله بدموعه

قبض كمال على حقيبته المدرسية بقوة وكأنه يمسك بزمام مصيره ونظر إلى أبيه بعينين لم تعدا طفوليتين بل صارتا أكثر عمقاً وتصميماً، مدركاً أنَّ عليه أن يكبر بسرعة لا ليرتدي البدلة العسكرية فحسب، بل ليحمل مشعل العلم الذي تعثر به والده يوماً، فكانت تلك اللحظة هي ميلاده الحقيقي كطالب علمٍ يعشق النجاح وفاءً لدمعة بطل .

 

24 12 2025

المشـاهدات 14   تاريخ الإضافـة 17/01/2026   رقم المحتوى 69854
أضف تقييـم