الأربعاء 2026/2/4 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم
بغداد 11.95 مئويـة
نيوز بار
استعمار خرساني أم استثمار عقاري؟
استعمار خرساني أم استثمار عقاري؟
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب مصطفى طارق الدليمي
النـص :

 

 

 

تشهد العاصمة بغداد تحولات عمرانية غير مسبوقة في تاريخها الحديث حيث تُنتهك جغرافيتها تحت لافتة "الاستثمار السكني" لكن القراءة المتأنية لما يجري في قلب العاصمة من تشييد مجمعات عملاقة وأبراج شاهقة في مساحات ضيقة ومكتظة أصلاً تكشف عن نمط أقرب إلى "الاستعمار الخرساني" منه إلى الاستثمار الحقيقي..فمنطق التخطيط الحضري الرشيد يقوم على توجيه الاستثمار نحو الأطراف والمناطق النائية لتخفيف الضغط عن المركز بينما ما يحدث اليوم هو عكس ذلك تماماً استيطان للمركز واستنزاف لما تبقى من رئته العمرانية..إن اختيار قلب العاصمة لإقامة هذه المشاريع يمثل خطيئة تخطيطية كبرى إذ تُقحم آلاف الوحدات السكنية في أحياء تعاني أصلاً من تهالك البنى التحتية واختناق مروري مزمن وشبكات خدمات عاجزة عن استيعاب المزيد..هذا التوجه لا يبني مدينة بل يختنق بها فبدلاً من أن يكون الاستثمار قاطرة للتوسع الحضري نحو أطراف بغداد وظهيرها الصحراوي لبناء مدن جديدة متكاملة تحوّل إلى "هجوم رأسمالي" على الأراضي الأعلى قيمة داخل المركز بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب جودة حياة البغداديين..وعلى النقيض من الشعارات التي تُسوّق هذه المشاريع بوصفها حلاً لأزمة السكن فإن الواقع يكشف عن أزمات طبقية وخدمية متفاقمة فبرج سكني واحد في منطقة مكتظة يعني آلاف السيارات الإضافية وضغطاً مضاعفاً على الخدمات العامة وتحويل المركز إلى "غابة خرسانية" تفتقر إلى أبسط معايير التخطيط الحضري..الاستثمار الحقيقي هو الذي يخلق الحياة في الفراغ..أما "الاستثمار الاستعماري" فهو الذي يزاحم السكان في فضائهم المحدود ويحوّل أراضي الدولة المميزة إلى جدران صماء تدر الأرباح على قلة وتترك الفوضى للأغلبية..إن إنقاذ بغداد يتطلب مراجعة جادة لسياسات الإجازات الاستثمارية داخل حدود الأمانة وإعادة توجيه بوصلة الإعمار نحو الخارج فالعواصم التي تحترم تاريخها ومستقبلها لا تبيع قلبها للمضاربات العقارية بل تحافظ على هويتها العمرانية وتوازنها البيئي..وإذا استمر هذا الزحف الخرساني بلا رادع تخطيطي.. تصبح العاصمة مشلولة وتتحول فيها مجمعات الرفاهية إلى سجون فارهة داخل مدينة خنقها الجشع المعماري

المشـاهدات 20   تاريخ الإضافـة 04/02/2026   رقم المحتوى 70317
أضف تقييـم