| النـص :
العمل لا يحتاج إلى زياراتٍ تفقديةٍ يوميةٍ من قبل المسؤول، ولا إلى نشر تلك الزيارات في مواقع التواصل الاجتماعي، إذ لا جدوى منها سوى محاولة الظهور بإنجازٍ وهمي. كما أن الاجتماعات التي تُعقد لمناقشة مواضيع من قبل رؤساء لا يعرفون العمل الميداني ولا يملكون أي إلمامٍ به، تُقصي الشخص الذي يتقن العمل وتُهمّشه، وتُسفّه أفكاره، فلا يُرجع إليه حتى في مجال اختصاصه. إن الإخلاص في العمل لا يكون بنشر إنجازاتٍ أسبوعية أو شهرية أو سنوية، بل بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، لا بتحجيم دور الكفاءات ومحاصرتهم كي لا يظهر لهم أي دور، ولا بمحاولة التقليل من شأنهم وشهاداتهم التي حصلوا عليها بجهدهم وتعبهم وصحتهم. فعيونهم التي ضعفت، وظهورهم التي انحنَت، وفقراتهم التي أصابها السوفان، خصوصاً العنقية، شاهدةٌ على مقدار التضحيات التي بذلوها من أجل اكتساب العلم والحصول على شهادةٍ عليا. قد يكون بعضهم درس من أجل زيادة الراتب، وهذا حقٌ مشروع، فهو الذي أقدم حين أحجم الآخرون، وهو الذي سهر وضحّى بفرص العمل والمتعة بينما غيره كان مشغولاً بالتجارة وكسب المال الوفير، فاشترى القصور وركب السيارات، بينما كان هو يركب سيارات النقل العام، وكان ركوب التكسي قمة الرفاهية بالنسبة له. فصاحب التجارة كان دخله في أسبوعٍ واحد أو بضعة أيام يفوق راتب شهرٍ كامل لذلك الأكاديمي، ومع ذلك لم نرَ موظفاً يضع عينه على رزق ذلك التاجر أو أرباحه الخيالية، لأنه كان مشغولاً بنفسه. وعندما حصل الأكاديمي على الشهادة والخبرة، وأجرى بحوثاً سنويةً استهلكت وقته وماله وجهده، محاولاً النهوض بمؤسسته وإيجاد أساليب جديدة اقتصادية ومفيدة، وجد نفسه أمام رئيسٍ يعلم أنه غير كفوء، ومع ذلك يعرقل جهود العمل ويصب عقده على الموظف الكفوء الساعي لتطوير نفسه وعمله. لذلك يُبعَد هذا الموظف عن مواقع القرار واللجان والمناصب التي يستطيع من خلالها إظهار قدراته، ويُركَن في أماكن بعيدة عن تخصصه، حتى لو كانت هناك حاجة ماسّة إلى خبرته، وهو الذي حصل على اختصاصٍ من دولةٍ أجنبية في علمٍ لم يصل إلى ذلك البلد بعد. بل يُحارب ليطلب النقل إلى قسمٍ آخر، كي لا يُكشف مقدار عدم كفاءة المدير أو المسؤول، فيُهدر بذلك سنوات الدراسة والمال الكبير الذي صُرف على هذا الموظف لتطوير المؤسسة. إن ما أريد قوله هو أنه يجب احترام الكفاءات العلمية وعدم محاربتها في أرزاقها، بل وضعها في المكان الذي تستحقه لتكمل العمل بأفضل صورةٍ وأحسن طريقةٍ مبتكرةٍ أو محدَّثة. لذلك يجب وضع الشخص المناسب في الموقع المناسب، لا بالضرورة مديراً أو مسؤولاً، بل في مكانٍ يسمح له بخدمة البلد.
|