الثلاثاء 2026/2/10 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 16.95 مئويـة
نيوز بار
كوكب العراق وجمهورية اليابان
كوكب العراق وجمهورية اليابان
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب سيف الحمداني
النـص :

 

 

 

قد تبدو المقارنة بين العراق واليابان، للوهلة الأولى، ضربا من الغرابة أو حتى الاستفزاز. فكيف يمكن وضع بلد يُوصف ساخرا بأنه «كوكب» خارج قوانين المنطق السياسي، إلى جانب دولة تُدار ببرود مؤسسي يشبه عمل الآلات الدقيقة؟ غير أن شرارة هذه المقارنة لم تأتِ من فراغ، بل انطلقت عقب الانتخابات البرلمانية المبكرة التي شهدتها اليابان في الأيام القليلة الماضية، انتخابات أُجريت بسلاسة لافتة، وأنتجت نتائج واضحة خلال وقت قياسي، من دون أن تتحول إلى أزمة سياسية أو مادة يومية للاتهامات.هذا المشهد البسيط أعاد إلى الذاكرة التجربة العراقية مع الانتخابات لا بوصفها استحقاقًا ديمقراطيًا فقط، بل كحدث غالبا ما يفتح أبوابا لأزمات جديدة بدل أن يغلق القديمة. وهنا لم تعد المقارنة ترفا فكريا أو تمرينا ذهنيا، بل محاولة لفهم سؤال أعمق: لماذا تؤدي الانتخابات في بلد ما إلى الاستقرار، بينما تتحول في بلد آخر إلى مدخل للانسداد السياسي؟العراق واليابان يشتركان شكليا في كونهما دولتين بنظام برلماني، حيث تنبثق الحكومة من البرلمان. لكن هذا التشابه ينتهي عند النصوص. ففي اليابان تعمل البرلمانية داخل دولة مكتملة المؤسسات، تُدار فيها السياسة بقواعد شبه محسومة، ويجري الاحتكام إلى القانون بوصفه المرجعية العليا. أما في العراق، فإن النظام البرلماني يعمل داخل بيئة غير مستقرة، تتداخل فيها النصوص الدستورية مع أعراف سياسية فرضتها موازين القوة، لا صناديق الاقتراع وحدها. في اليابان، لا يُنظر إلى الانتخابات المبكرة بوصفها هروبا من أزمة، بل كأداة سياسية محسوبة لتعزيز التفويض أو حسم اتجاه عام. النظام الانتخابي هناك، بتوازناته بين التمثيل المحلي والعمل الحزبي، صُمم لإنتاج حكومات واضحة الأغلبية، ومعارضة واضحة الدور. لذلك، ما إن تُغلق صناديق الاقتراع حتى تبدأ عملية الحكم، وتتشكل الحكومة خلال أيام، من دون أن تُفتح أبواب التشكيك بشرعية النتائج.في المقابل، تحمل الانتخابات المبكرة في العراق معنى مختلفا تماما. فهي غالبا تأتي بوصفها محاولة للخروج من مأزق قائم، لا نتيجة مسار سياسي مستقر. ومنذ عام 2005، لم يستقر العراق على نظام انتخابي واحد؛ تغيرت القوانين وتبدلت الصيغ، من القوائم إلى الدوائر، لكن هذه التغييرات المتكررة لم تنتج استقرارا، بل برلمانا شديد التفتيت، عاجزا عن إنتاج أغلبية واضحة، ما يجعل مرحلة ما بعد الانتخابات أطول وأكثر تعقيدا من العملية الانتخابية نفسها.التجربة العراقية تشير بوضوح إلى أن المشكلة لا تكمن في توقيت الانتخابات، ولا في تبكيرها أو تأجيلها، ولا حتى في شكل القانون وحده. المشكلة الحقيقية تكمن في ما يسبق الانتخابات وما يليها. ما يسبقها هو بيئة سياسية مثقلة بانعدام الثقة، وسلاح خارج إطار الدولة، وتفاوت حاد في فرص التنافس. وما يليها هو غياب ثقافة قبول النتائج، واللجوء إلى التوافقات القسرية بدل الاحتكام إلى منطق الأغلبية والمعارضة.يُضاف إلى ذلك ضعف البنية الحزبية في العراق، حيث تعمل كثير من الكيانات بوصفها واجهات انتخابية مؤقتة أكثر منها مؤسسات سياسية راسخة. المرشح الفردي غالبا ما يتقدم على الحزب، والانشقاقات والتحالفات المتغيرة تصبح جزءا من المشهد الطبيعي. وفي ظل هذا الواقع، لا يكون غريبا أن تنتج الانتخابات دورات متكررة من عدم الاستقرار، مهما تغير شكل القانون أو عدد الدوائر.المقارنة بين «كوكب العراق» و«جمهورية اليابان» لا تهدف إلى إدانة العراق ولا إلى تمجيد اليابان، بل إلى تفكيك الوهم القائل إن تعديل قانون الانتخابات كفيل وحده بحل الأزمة. فالقانون، مهما بلغ من الدقة، لا يعمل في فراغ. ليست المشكلة في تبكير الانتخابات، بل في دولة لم تكتمل شروطها قبل الصندوق، ولم تُحترم نتائجه بعده. وما لم يُطرح هذا السؤال بوضوح، ستبقى الانتخابات في العراق تدور في حلقة مفرغة، مهما تغير شكلها أو توقيتها.

 

المشـاهدات 20   تاريخ الإضافـة 10/02/2026   رقم المحتوى 70422
أضف تقييـم