المسرح والعولمة: هل خلَق العرض المسرحي السوداني بيئته؟
![]() |
| المسرح والعولمة: هل خلَق العرض المسرحي السوداني بيئته؟ |
|
مسرح |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
وليد عمر الألفي
رغم ثراء البيئة المحلية وقدرتها على مدِّنا بمحفزات إبداعية، ورغم أنها الضامن لاستمرارية المسرح، لا يكفي أن نُغرقَ فيها مسرحنا بالكامل، إنما علينا أن ننتبه في الوقت ذاته إلى إمكان الاستفادة من الحلول التي تقدّمها العولمة، حتى لا يعيش مسرحنا السوداني في جزيرة معزولة. لذا، كان وسيظلّ ضرورياً فهمُ العلاقة بين المسرح والمجتمع، وهي علاقةٌ مبنيّةٌ على التناسب والتناسق، اللّذَين يُحقِّقان التناغم، إذ لا يُمكننا أن نتطلَّع إلى مسرح مُتطوِّر في ظل مجتمع مُتخلّف، وكذلك العكس. ولا تجري عملية الترقية المجتمعية بمعزل عن بناء دولة المؤسَّسات التي يحصل فيها الفرد على حقوقه من الدولة بالقدر الذي يقوم فيه بواجبه تجاهها. ومن يتأمّل حال السودان الذي أصبح محلَّ شفقة دولية، بسبب ما يُعانيه من هشاشة وتفكُّك وانهيار تامّ لفكرة الدولة ذاتها، يُدرك خطورة موطئ قدم المسرح. لكن هذا لا يُعفي المسرح من أداء دوره في عملية البناء والإسهام في النهضة والتطور، ما يُعيدنا إلى سؤال الوجود والماهية ونوعية المسرح التي تُناسب هذه المرحلة المصيرية من وجود السودان.
حوسبة المسرح
أسهمَت العولمة، بما تتضمَّن من تقنيات، في تقديم كثيرٍ من الحلول التقنية لفنِّ المسرح على نحو عام، والعرض المسرحي على وجه الخصوص، ويتجلَّى ذلك من خلال نقل المعرفة والتجارب والنظريات المسرحية المُعاصرة من حيّز جغرافي وثقافي وبيئي إلى آخر، بسرعة وسهولة، ومن خلال التكنولوجيا المُستخدمة في تنفيذ العرض المسرحي من صوت وسينوغرافيا وغيرها، عن طريق حوسبة خشبة المسرح.ومن تمظهُرات هذه الحوسبة برمجة الصوت والإضاءة والترجمة المباشرة، وبعض تصميمات الديكور المبنية على الصورة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، لتعمل جميعها حسابياً بدقة، في الوقت المبرمج عبر الحاسب الآلي، بجانب وجود شاشة عرض ضخمة تملأ خلفية المسرح، التي قد تُناسب بعض العروض، إذا ما أُحكم استخدامها وكانت ضرورة فنية، ولم تُخرِج الحالةَ المسرحيةَ من سياقها المسرحي لتُحيلَه إلى السينما، وهو فنٌّ له أدواته وطريقته. ويتعيَّن استخدامها – الشاشة – بطريقة لا تُؤثر على العمق في خشبة المسرح، أي على امتداد الصورة، لأنّ هذا الامتداد بجانب كونه جغرافيّاً ومُرتبطاً بالحيز المكاني، فهو مفاهيميٌّ أيضاً، ويعدُّ أحد أشكال امتداد البيئة الثقافية والاجتماعيّة والجغرافيّة للعرض المسرحي، ويُمثّل عمقاً تاريخيّاً مقروناً بالرؤية؛ فضلاً عن أن بتر هذا الامتداد، قد يُشكّل عائقاً في بنية العرض الدرامية، فتُضْحِي الصورة المشهدية مُسطَّحة.وممّا يُخشى من عملية حوسبة المسرح سَوْقُه من كونه حالةً إبداعيةً حيةً إلى التعليب؛ فالدِّقّة الحسابية قد تُقيِّد أو تكبح جماحَ لحظة تحرُّر الرؤية الفنية وتطوُّرها؛ لحظة التخلُّق الفني التي تَنتُج أثناء تقديم العرض، باعتبار أنّ العرض المسرحي يظلُّ في حالة تنامٍ ونقص بحثاً عن الكمال الجمالي.لا يجب أن ننسى كذلك أنّ المسرحَ روحُ تَخاطُبٍ؛ ما يُحتِّم على المُشتغل في صناعة العرض المسرحي أن لا يستغني عن الإنسان لمصلحة الآلة. وعلى الرغم من أنّ الحوسبة تُقلّل نسبة الخطأ في تنفيذ العرض المسرحي، غير أنّ الخطأ يكون مطلوباً في كثير من الأحيان – أعني هنا بالضرورة الخطأ الخلّاق – لأنه يُضيف قيمةً جماليةً للعرض، ولأنّ نكهة الإنسان «الفنّان» وبَصْمتَه تظلّان حاضرتين بقُوّة. فكلما اقتربنا بالحلول المسرحية من الإنسان، كان ذلك أشدَّ التحاماً بالحالة المسرحية المُرتبطة في الأصل باللحظة الحيَّة، على خلاف الحوسبة التي تُبعدنا عن تلك اللحظة المُشحونة بطاقة الإبداع.وتظلُّ الحلول التي قدَّمَتْها العولمة في هذا الجانب، أدنى مرتبةً من الخلق المسرحي. أما الخلق المسرحي فهو النبع الذي يَنهل منه صانعُ العرض رؤيتَه الفنية التي تَتجاوز حتى العرض نفسه لأنها رؤية مرتبطة بسؤال الوجود، بالإيمان والجوهر. أما الأدوات فهي تقع موقع المهام، والمهمة مقرونة بالدَّور القابل للتبديل والتحوُّل.
الإيمان طين الخلق المسرحي
إنّ التناسب والتناسق والتوازن هي شروط فنية لنقل العرض المسرحي من طور الإشعاع الفني إلى طور النور الإبداعي. ولا يتحقّق التنفيذ الفعلي للعرض إلا من خلال الاستعداد والتجهيز الفني المُتكامل. إنّ جزءاً أساسياً في «الاستعداد الفني» هو الترقُّب واستبصار ما هو قادم بشغَف.تتكون كلمة الاستبصار -لديّ- من جزئين: جزء يشمل كلّ ما هو مرتبط بالبصر، حيث التشوُّف لما يأتي مُباشرةً عبر العرض المسرحي، وجزء آخر مرتبط بالبصيرة. البصيرة التي تتبصَّر ذلكم الآتي بكُلّ صبر لإنتاج معرفة من خلال المسرح بوصفه تمثُّلاً للبيئة. هنا تتّحدُ طاقة الإبداع، ويحدث الانفجار الإبداعي، وتكتمل دائرته بالجمهور، الذي يكون في حالة استقبال للاستبصار المسرحي.مُجمل القول، أنّ الاستعداد الذي نرُومُه، ما هو إلاَّ حاجة ورغبة في عملٍ يُضاهي شهيَّة المُستعد؛ هو الدافع والطاقة التي تجعل جذوة الرغبة متّقدة في تواصُل، دون أيِّ ملل أو تكرار يَحشِران المسرح في أزمة.تجربتي الخاصة في منطقة صناعة العرض المسرحي، جعلتني أُؤكِّـد أشد التأكيد أنَّ هناك نوعاً خاصاً من الشعور الـمُحَـفِّـز يُطلَق عليه لغةً «الإيمان»؛ كأن نرى مثلاً أنّ هناك شعوراً مُحَفِّزاً للإيمان يقودك نحو العبادة الخالصة لله، وأنّ هناك شعوراً مُحَـفِّزاً للإيمان يقودك نحو الرغبة في إنتاج مسرح جديد. لذلك دعوني أطلق هذا الخبر في عبارتي الخاصة: «الإيمان طين الـخَـلْـق المسرحي». يقول الشاعر مظفّر النواب: «وتوضَّأتُ بماء الخَلْق». دعوني أجاريه: «وتوضأتُ بماء الخَلق المسرحي».إنّ ألدّ عدوّ من أعداء ذلك الإيمان المحفّز على صناعة المسرح هو انتظار الصدفة. لماذا؟ لأنها علامة مُميَّزة على الكسل المسرحي. هذه الصدفة هي الهادمة لعملية إبداع المسرح التي تقوم على التأمّل والتَّخييل والسياحة الداخلية في أعماق النفس مُعتمَة المظهر لبعض المشتغلين بالمسرح، ولكنها أكثر وضوحاً وإشعاعاً للمسرحي الذي يَبحث عن صيد جمالي ثمين من خلال صنّارة ذلك الاستبصار المُشار إليه أعلاه. إنّ الفنون المسرحية لا تستسلم للصدفة، لتخلق عرضاً مسرحياً كيفما اتفق، وإنما تقوم على القصدية. والقصدية -بمجمل المعنى الفلسفي- تعني تلك العلاقة التي تربط فكراً ما بموضوع ما: فكراً ما من نتاج التفكير البشري مرتبطاً بموضوعٍ ما هو البيئة التي أعرفها. إذن، فهي مُنتج عقلي خرج من باطن التأمّل، ليخلق نواةَ عملٍ لم يأتِ بعد.
تبْيِئة المسرح السوداني
يَرتبط المسرح بالبيئة أكثر من المكان. فالمسرح بوصفه مفهوماً، هو الأكثر قدرةً على خلق الطاقة الحياتية الوجودية من المسرح بوصفه مكاناً. لأنّ طاقة المفهوم هي الروح التي تسري في البيئة وتُعطيه معنىً وقيمة. بذلك يصبح المكان جزئياً مؤقتاً يتجلَّى في الأغاني، والإيقاع، والموسيقى، والرقص. وذلك تماماً كما لكلّ مكان لهجته وسحناته. وبالجملة، لكُلِّ مكان خصائصه المنقطعة في ذاته، والمرتبطة في الوقت نفسه ببيئة أو أرض بعينها. إنّ أرضاً كأرض السودان تمتاز بالثراء والتنوّع الثقافي والمناخي والجغرافي، وهذا الامتياز قادرٌ على أن يُشكِّل مصدراً جمالياً للعرض ومرجعاً فكرياً في وَضْع أساس نظريّ للعملية الفنية في المسرح.وبناءً على تجربتي في صناعة العرض المسرحي، كثيراً ما يُقلقُني سؤال الصورة المشهدية السودانية، وهل بالإمكان لبلدٍ كالسودان أن تكون له صورة مشهدية تُميِّزه، خاصةً وأنّ نمط البناء المعماري خارجَ المدن، يتحرّك في مساحةٍ ما بين الرمل والصخر والطين والقشّ والخشب والحديد، كما أن الإضاءة شبه غائبة ليلاً، وحاضرة بنحوٍ مُترفٍ نهاراً. الإنارة مُتطرّفة، إما سطوعاً مترفاً، بسبب حرّ الشمس، أو عتمةً كاملةً بسبب انعدام التيار الكهربائي.والأرض في السودان، عارية وطبيعية وغير مُعبَّدة، وقد تكون مكسوَّةً بالبلاط أو الإسفلت، وتَحتفظ بتعرُّجاتها وانخفاضاتها وارتفاعاتها. إذا أخذنا في الاعتبار افتقار هذا المعمار إلى الضوء ليلاً، يُمكننا أن نرى صوراً مسرحيةً تخترق الظلام وتُعيد تشكيل البناء، مُستفيدين من ضوء القمر والنجوم والإنارة المنزلية البدائية ومحلية الصنع. وفي تقديري، أنّ الحياة السودانية قادرةٌ على أن تمنحنا صورةً بلا تعديل أو تجريد، فكلُّ ما نحتاج إليه، هو أن نُملِّي أعيننا جيداً في طبيعة البناء المكاني وخصائص التربة، وكذلك المواد المستخدمة في عمليات البناء، حيث الرمال المُتحرّكة تُحاصر الجدران القصيرة المُشيّدة من طين «الجالوص»، وتُضيف إليها ملمحاً جمالياً آخر يُغيّر طريقة البناء ليُصبح الخارجُ هو الأعلى والداخلُ هو الأسفل. إنّ المُتأمّل لبيوت مثل بيوت غرب وشمال أم درمان أو الولاية الشمالية ونهر النيل، يَجدُ أنها قادرةٌ على أن تمدَّنا بصور مشهدية. والأمثلة كثيرة على التنوّع البيئي في السودان، في جبال النوبة وجبل مرة وبوادي دارفور وسهول كردفان والبطانة وشرق السودان وإقليم النيل الأزرق بجباله وغاباته، فضلاً عن المُدن والقرى الحديثة. يُمكن لهذا التنوّع الثري أن يُعيد تشكيل خصائص بناء المكان في المسرح السوداني وأن يَمدَّه بخصوصيةٍ منبعها البيئات السودانية الغنية بصرياً.لقد توصَّلنا من خلال التجربة التي خُضناها في منطقة صناعة العرض المسرحي، إلى أنّ البناء المكاني المسرحي خارج البناء المكاني الحياتي «البيئة»، سيُؤخّر مسرحنا السوداني كثيراً لأنّ التشبُّث بالإنارة المسرحية الحديثة والتطلّع للإضاءة المُحوسَبة، دون الانتباه لخصائص المكان الحياتي التلقائي الذي لا يَخضع لشروط الدِّقة والتنظيم والحوسبة، سيَجعل من مسرحنا مسرحاً مُنفصلاً، وستصبح صُوَرَنا المشهدية مُفكَّكة عن حكاياتنا.هذا على المستوى المرئي، أما على المستوى السمعي، فنحن نعيش من خلال اللغة اليومية سواء أكانت عاميات عربية سودانية مُتحوّلة من بيئة إلى أخرى، أم لغات ولهجات محلية أفريقية. تختلف العاميات العربية في السودان من منطقة إلى أخرى في النطق والتشكيل، وأحياناً في المعنى، وكل منطقة تتأثر عاميّتُها العربية ببيئتها المحلية ونمط نشاطها الاقتصادي من رعي وزراعة وغيرها. وتتأثّر اللغة بنوع المنتجات الزراعية والرعوية أو «الزراعوية». على سبيل المثال يمكن ملاحظة شعور رعاة الإبل بالاعتزاز، لذا تحمل اللغة لديهم مظاهر الفخر والاعتداد بالنفس، وحركتها في النطق على طريقة سير الإبل، كما هو ملاحظ عند قبائل الكبابيش والشنابلة في كردفان والأبّالة في دارفور وبوادي البطانة وشرق السودان. أما البقّارة – رعاة البقر في دارفور وكردفان – فتندفع اللغة لديهم حارَّة ومُنفعلة، وهذا يتماشى مع طريقتهم في الرقص والغناء. أما الغنّامة، أي رعاة الغنم، فهم أكثر تواضعاً واستقراراً وتديُّناً.إذا لم تتمظهر العولمة في الحياة العامة بالنسبة للناس بكامل تنوّعهم واختلافاتهم البيئية والثقافية، فسيكون مسرحنا المُحوْسَب غير مُتناسق أو مُتناغم، أي منفصلاً عن جمهوره، كما أسلفت، لأن الأدوات قد تُشكِّل صوراً غرائبية ومُنقطعة عن روح وإحساس الجمهور في لحظة التلقي المسرحي.إنّ العملية المسرحية هي مجمل طاقات إبداعية من حقول فنية عدّة، وكلُّ حقلٍ رغم استقلاليته وقدرته على الوجود بمفرده، إلاَّ أنه يعيش بالقُوَّة نفسها حينما يدخل إلى مَعين المسرح، بوصفه حقلاً فنياً متكاملاً. بذلك يكون المسرح هو مركز البيئة حين يَستلهم اختلاف أمكنتها المتعدّدة في فنونها المختلفة. |
| المشـاهدات 7 تاريخ الإضافـة 10/02/2026 رقم المحتوى 70435 |
أخبار مشـابهة![]() |
جوان جان ومشاهد من ذاكرة المسرح السوري
|
![]() |
عشرون عاماً على رحيل عصام محفوظ: إرثٌ يتجاوز المسرح
|
![]() |
قراءات لعروض عربية وعالمية في ((المسرح))
|
![]() |
أسس الإخراج لمسرح الطفل.. عصام السيد يضع رؤيته لعودة المسرح المدرسى
|
![]() |
كتاب ((المسرح في الامارات 2025 - 2000))
قراءة عميقة للعروض المسرحية الاماراتية بين الفكرة والفرجة |
توقيـت بغداد









