ناجي شوكت... الحياد في زمن العواصف السياسية
![]() |
| ناجي شوكت... الحياد في زمن العواصف السياسية |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب د. سلام قاسم |
| النـص :
تدور العجلة من جديد، وأنتهت بغداد من انتخابات جديدة، وكأن التاريخ يمدّ يده من زمن ناجي شوكت ليختبرنا من جديد بالسؤال ذاته: هل ننتخبُ من يبني الدولة، أم من يبني فوقها أسوار حزبه؟تغيرت الأسماء وتبدلت الوجوه، لكن وجع العراق واحد، ودهاليز السياسة ما زالت تضج بضجيج الطامحين لا بهمة المصلحين.في الثلاثينيات، حلم شوكت ببرلمان يعكس إرادة الشعب، لا صدى الزعامات؛ وفي القرن الحادي والعشرين، ما زال الحلم نفسه يطرق الأبواب، يبحث عن وطن يضع الصندوق في خدمة الحقيقة، لا الحقيقة في خدمة الصندوق.في ذاكرة الدولة العراقية الناشئة، يقف اسم ناجي شوكت بوصفه واحداً من أبرز وجوه المرحلة التأسيسية التي أعقبت الاستقلال ودخول العراق إلى عصبة الأمم عام 1932 رجل قانون حاول أن يجعل من الحياد مبدأً للحكم، فوجد نفسه وسط عاصفة سياسية لا ترحم، انتهت بأن كتب في مذكراته جملته الخالدة: "لعن الله اليوم الذي أدخلت فيه رأسي في عالم السياسة... عالم الدجل واللعب على الذقون."وُلد ناجي شوكت في 25 آذار 1893 بمدينة الكوت، في حقبة كانت بلاد الرافدين تخضع فيها للحكم العثماني. التحق بـ كلية الحقوق في إسطنبول وتخرج منها سنة 1913، ليبدأ بعدها مسيرة قانونية وإدارية حافلة، أهلته لاحقاً ليكون من رجال الدولة الذين ساهموا في بناء المؤسسات بعد تأسيس المملكة العراقية سنة 1921.كان شوكت مثالاً للإداري الكفء، والقانوني المتوازن، والمؤمن بضرورة قيام دولة حديثة تعتمد النظام والمؤسسات بدل الولاءات الشخصية والحزبية. ومن هنا اكتسب سمعته كرجل دولة مستقل لا يدين بالولاء لأي حزب أو كتلة سياسية.في 3 تشرين الأول 1932، وبعد استقالة حكومة نوري السعيد، كلّف الملك فيصل الأول ناجي شوكت بتشكيل الوزارة الجديدة، في لحظة تاريخية تزامنت مع إعلان استقلال العراق ودخوله عصبة الأمم، وهو حدث وضع البلاد أمام اختبار سياسي ودستوري صعب.ورغم أن عمر حكومته لم يتجاوز ستة أشهر، إلا أنها واجهت واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ النظام النيابي العراقي؛ إذ أصدرت في 8 تشرين الثاني 1932 إرادة ملكية بحل مجلس النواب والبدء بانتخابات جديدة، فظهرت على الفور إشكالية قانونية غير مسبوقة:هل يتقاضى النواب مخصصات أربعة أشهر وهي مدة الدورة النيابية، أم تُحتسب لهم الأيام الثمانية فقط التي عقد فيها المجلس جلساته؟أُحيل الأمر إلى المحكمة العليا لتفسير الدستور، التي حكمت بأن يستحق النواب مخصصات ثمانية أيام فقط، قياساً على مبدأ، الأجر مقابل الخدمة الفعلية.كان ذلك القرار سابقةً قانونية رسخت مبدأ الرقابة القضائية على الامتيازات التشريعية، ورسالة مبكرة بأن دولة القانون لا تُبنى بالمجاملات السياسية، بل بالانضباط المؤسسي.كتب شوكت في مذكراته موضحاً موقفه من الصراع الحزبي آنذاك: "كنت محايداً لم أنتم إلى حزب من الأحزاب أو كتلة من الكتل. رغبت أن يكون مجلس النواب الجديد ممثلاً للرأي العام قدر الإمكان، وأن يكون للمثقفين مقامهم فيه."إلا أن هذه النزعة المثالية اصطدمت بواقع سياسي معقد، إذ كانت الأحزاب العراقية في بداياتها، تنزع إلى المحاصصة أكثر من الإصلاح، وتسعى للنفوذ أكثر من تمثيل الأمة.وحين حاول شوكت التوصل إلى قائمة وطنية موحدة تشمل مختلف الاتجاهات السياسية، تعثرت المفاوضات بسبب الخلاف على المقاعد والأسماء، ولا سيما مع الحزب الوطني المعروف بتشدده.وهكذا تحوّل مشروعه الإصلاحي إلى مادة للاتهام، واتهم بالميل إلى القصر الملكي، رغم أن هدفه الحقيقي كان تأسيس برلمان يعكس إرادة الشعب لا إرادة الزعامات.تكشف مذكراته عن علاقة دقيقة ومتوازنة جمعته بالملك فيصل الأول، علاقة يسودها الاحترام المتبادل والاختلاف في الرؤية أحياناً. يقول شوكت: "منذ أن صدرت الإرادة الملكية بحل مجلس النواب، بدأت الاتصالات بيني وبين الملك فيصل، وبين زعماء الأحزاب للاتفاق على قائمة موحدة. ولكن رغم كل الجهود، لم أوفق إلى الاتفاق مع الحزب الوطني، لا في عدد المقاعد ولا في الأسماء." ومع تصاعد الانتقادات، اقترح بعض السياسيين على الملك تأليف وزارة ائتلافية تجمع جميع الأطراف، فطلب الملك فيصل من شوكت التفكير في الأمر، لكنه أجابه بثبات: "سيدي، أرجح أن تُسند رئاسة الوزارة إلى السيد رشيد عالي الكيلاني، وأن أبتعد أنا عن الحكم لفترة."ابتسم الملك وقال ما معناه: "تتبادلان المناصب إذن، أنت رئيس الديوان، وهو رئيس الوزراء." وبذلك طويت صفحة حكومة ناجي شوكت في 18 آذار 1933، بعد ستة أشهر من التكليف، حين قدّم استقالته وقبلها الملك في اليوم نفسه.تمثل حكومة ناجي شوكت تجربة فريدة في تاريخ العراق السياسي، لأنها حاولت ـ في لحظة صاخبة ـ أن تؤسس لمبدأ الحياد الإداري وتحييد الدولة عن الصراع الحزبي، وهي فكرة تقدمية في وقت لم يكن الوعي السياسي العراقي قد نضج بعد لتقبلها.كان شوكت يسعى لتغليب المؤسسات على الأشخاص، والقانون على الولاء، والتمثيل الشعبي الحقيقي على التنازع السياسي، لكنه اصطدم ببنية سياسية هشة كانت ترى في الاستقلال فرصة لتقاسم النفوذ لا لبناء الدولة.وهكذا، حين غادر الحكم، كان يدرك أنه خسر معركة مبدئية في مواجهة بيئة سياسية لم تعرف بعدُ معنى الحياد ولا قيمة النزاهة الإدارية، فخرج منها يائساً، ساخراً من زمن لا يُكافأ فيه الشرف بالاحترام، بل بالعزلة والنسيان.لم يكن قول ناجي شوكت: "لعن الله اليوم الذي أدخلت فيه رأسي في عالم السياسة" . مجرد تنفيس عن الغضب، بل شهادة رجلٍ أدرك باكراً أن السياسة في العراق الملكي كانت حقلاً للولاءات المتشابكة، أكثر مما كانت ميداناً لخدمة الوطن.لقد أراد أن يكون القانون سيد الموقف، وأن يكون البرلمان صوت الأمة، لا صدى الزعامات. لكن التاريخ، كما يبدو، كان قد قرر مصيره منذ البداية.وبقيت حكومته القصيرة علامة فارقة في مسار التجربة البرلمانية العراقية، ونموذجاً لرجل آمن بالحياد في زمن لم يكن فيه الحياد فضيلة، بل جريمة سياسية.بين انتخابات جرت قبل أكثر من تسعين عاماً، وأخرى تتهيأ البلاد لإجرائها، يبدو أن العراق ما زال يسير في الدائرة ذاتها، صراع بين الحزبية والحياد، وبين المصلحة الوطنية والمكاسب الفئوية. |
| المشـاهدات 16 تاريخ الإضافـة 17/02/2026 رقم المحتوى 70589 |
توقيـت بغداد









