خرائط العراق القادمة
(الجزء الثاني)
خمسة محركات تغيّر اللعبة في العراق![]() |
| خرائط العراق القادمة (الجزء الثاني) خمسة محركات تغيّر اللعبة في العراق |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب رياض الفرطوسي |
| النـص : إذا أردنا أن نحكي قصة القطاع غير الربحي في العراق عام 2035، فعلينا أن نخلع عنه ثوب العاطفة الزائدة، وأن نراه كما هو، مساحة صراع هادئ بين الإرادة والقيود، بين الطموح الأهلي وثقل الدولة، بين الحاجة الاجتماعية والسياسة.
لسنا أمام حكاية خير مجرد. نحن أمام معادلة قوى. والمعادلة في العراق أكثر تعقيداً، وأكثر حساسية، وأشد ارتباطاً بالسياق السياسي والاجتماعي.
هناك خمسة محركات إذا تحركت، تحرك معها المشهد كله. وإذا تعثرت، تعثّر القطاع بأكمله.
أولاً، التشريعات والسياسات الحكومية
الدولة بين الحماية والهيمنة
الإطار القانوني في العراق ليس تفصيلاً إدارياً، بل هو المحدد الأول لمساحة الحركة. قانون المنظمات غير الحكومية، آليات التسجيل، طبيعة الرقابة، علاقة المنظمات بالوزارات، كلها عناصر ترسم حدود الفعل.
السؤال هنا ليس هل توجد قوانين، بل كيف تُطبَّق. هل تتحول النصوص إلى أدوات تمكين، أم إلى شبكات ضبط؟ هل تُعامل المنظمات كشريك تنموي، أم ككيان يجب مراقبته باستمرار؟
في بيئة سياسية متقلبة، يصبح الاستقرار التشريعي نفسه عاملاً حاسماً. أي تعديل مفاجئ، أي تشدد بيروقراطي، يمكن أن يجمّد عشرات المبادرات في لحظة واحدة.
المستقبل في العراق سيتحدد بمدى قدرة الدولة على الانتقال من عقلية الإذن إلى عقلية الشراكة.
ثانياً، التمويل… بين الخارج والداخل
القطاع غير الربحي في العراق تشكّل، إلى حد كبير، تحت ظل التمويل الدولي، خاصة بعد 2003. منظمات اعتمدت على منح أممية، أو دعم من منظمات دولية، أو برامج مرتبطة بالأزمات.
لكن ماذا يحدث حين تتغير أولويات المانحين؟ حين ينتقل التمويل إلى أزمة أخرى في مكان آخر؟
السؤال الحقيقي هنا ليس كم حجم المنح، بل ما هو النموذج المالي الوطني. هل هناك ثقافة تبرع محلية مستقرة؟ هل يوجد قطاع خاص مستعد للشراكة الجادة؟ هل تستطيع المنظمات بناء موارد ذاتية دون أن تفقد هويتها؟
الاستدامة في العراق لا تعني وفرة المال، بل تعني تنويع مصادره وتقليل الارتهان له. الفرق بين منظمة تنتظر منحة وأخرى تبني نموذجاً اقتصادياً داعماً، هو الفرق بين البقاء المؤقت والبقاء الاستراتيجي.
ثالثاً، التحول الرقمي… فرصة القفز لا اللحاق
العراق بلد شاب. نسبة كبيرة من السكان تحت سن الثلاثين. وهذا ليس مجرد رقم ديموغرافي، بل فرصة استراتيجية.
التكنولوجيا في العراق تتقدم بوتيرة متسارعة، رغم تحديات البنية التحتية. الهواتف الذكية في كل يد تقريباً، ومنصات التواصل جزء من الحياة اليومية.
السؤال هو، هل سيبقى القطاع غير الربحي يستخدم التقنية للترويج فقط، أم سيجعلها أداة إدارة وتحليل واتخاذ قرار؟
هل سنرى أنظمة رقمية لإدارة المتطوعين؟ منصات شفافة للتبرعات؟ تحليلاً للبيانات الاجتماعية لتوجيه البرامج بدقة؟
التكنولوجيا تمنح العراق ميزة نسبية، لأنه ليس مثقلاً ببنى مؤسسية قديمة معقدة. يمكنه أن يقفز مباشرة إلى نماذج حديثة. لكن القفز يحتاج إلى قرار، لا إلى إعجاب عابر بالتطبيقات.
رابعاً، الحوكمة والشفافية… معركة الثقة
في مجتمع عانى من أزمات سياسية ومالية متكررة، تصبح الثقة سلعة نادرة.
القطاع غير الربحي في العراق يعمل في بيئة يشوبها قدر من الشك العام تجاه المؤسسات. لذلك فإن الحوكمة ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية.
وضوح مصادر التمويل، تقارير مالية دقيقة، مجالس إدارة فاعلة، تقييم أثر حقيقي، هذه ليست شروط مانحين فقط، بل شروط بقاء.
النماذج العالمية في الجودة والتميز مثل European Foundation for Quality Management تقدم أطراً يمكن الاستفادة منها، لكن التحدي هو مواءمتها مع الواقع العراقي، لا استنساخها.
إذا لم ينجح القطاع في بناء ثقافة شفافية صلبة، فسيدفع ثمن ذلك مضاعفاً، لأن أي خطأ فردي سيتحول إلى اتهام جماعي.
خامساً، المجتمع… القوة الكامنة
العراق مجتمع شاب، لكنه أيضاً مجتمع أنهكته التحولات. حروب، أزمات اقتصادية، احتجاجات، هجرة، كل ذلك أعاد تشكيل القيم والأولويات.
جيل ما بعد 2010 لا ينظر إلى العمل التطوعي بالطريقة نفسها التي نظر بها الجيل السابق. هو أكثر جرأة، أقل صبراً، وأكثر ميلاً للمبادرات السريعة غير المؤسسية.
إذا لم يستوعب القطاع هذه التحولات، سيخسر طاقة هائلة. الشباب لا يريدون مجرد بطاقة متطوع، بل يريدون أثراً ملموساً، ومشاركة حقيقية في القرار.
المجتمع في العراق ليس مجرد مستفيد من الخدمات، بل هو قوة ضغط، ورأي عام، وفضاء رقمي لا يرحم.
بين هذه المحركات… يتشكل 2035
مستقبل القطاع غير الربحي في العراق لن يكون انقلاباً درامياً، ولا انهياراً كاملاً. الأرجح أنه سيكون مساراً متدرجاً، بين مكاسب صغيرة وانتكاسات محدودة، بين إصلاحات جزئية وتحديات مستمرة.
لكن الفرق بين قطاع حي وقطاع هامشي، سيتحدد بمدى وعيه بهذه المحركات الخمسة.
التشريع يحدد الإطار. التمويل يحدد القدرة. التكنولوجيا تحدد السرعة. الحوكمة تحدد الثقة. والمجتمع يحدد الشرعية.
صناعة الغد في العراق ليست مهمة سهلة، لكنها ممكنة. والمعادلة واضحة، من يفهم قواعد اللعبة مبكراً، لن ينتظر 2035 ليعرف أين يقف. |
| المشـاهدات 19 تاريخ الإضافـة 17/02/2026 رقم المحتوى 70594 |
توقيـت بغداد









