| النـص : احكي لكم شيئا عن المعركة القانونية في العراق حول اتفاقية تنظيم الملاحة بين العراق والكويت في خور عبدالله، حيث يرى أغلب المتابعين القانونيين والإعلاميين أن استقالة رئيس المحكمة الاتحادية العليا في العراق، القاضي جاسم العميري، هي إحدى نتائج هذه المعركة وآثارها.والمعركة باختصار تتمثل بما يلي:وقعت حكومة جمهورية العراق مع حكومة دولة الكويت (اتفاقية بشأن تنظيم الملاحة في خور عبد الله) ببغداد بتاريخ 29 / 4 / 2012، وصادق مجلس النواب العراقي على هذه الاتفاقية بموجب القانون رقم (42) لسنة (2013)، طُعن أمام المحكمة الاتحادية العليا في العراق برئاسة القاضي مدحت المحمود آنذاك، بعدم دستورية قانون المصادقة على الاتفاقية المذكورة في الدعوى (21/ اتحادية / 2014) إلا أن المحكمة الاتحادية العليا قررت رد هذه الدعوى بتاريخ (18 / 12/ 2014).في 15/ 3 / 2021، تشكلت رئاسة جديدة للمحكمة الاتحادية العليا وبعضوية قضاة جدد، بعد إحالة هيئة المحكمة السابقة برئاسة القاضي مدحت المحمود للتقاعد.وفي ظل تشكُّل هيئة المحكمة الجديدة برئاسة القاضي جاسم العميري، أصدرت المحكمة نظامًا داخليًا جديدًا بالعدد (1) لسنة (2022) والذي نُشر في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (4679) بتاريخ (13 / 6 / 2022) والذي جاء في المادة (45) منه: "للمحكمة عند الضرورة وكلما اقتضت المصلحة الدستورية والعامة، أن تعدل عن مبدأ سابق أقرته في إحدى قراراتها، على أن لا يمس ذلك استقرار المراكز القانونية والحقوق المكتسبة".ونتيجة لهذه الصلاحية الجديدة للمحكمة الاتحادية العليا، قررت المحكمة في الدعوى (١٠٥ الموحدة مع الدعوى 194/ اتحادية / 2023) والخاصة بالطعن بعدم دستورية قانون المصادقة على الاتفاقية مع الكويت، العدول عن حكم المحكمة في الدعوى (21/ اتحادية / 2014) المشار إليه آنفًا، والحكم بعدم دستورية القانون (42) لسنة 2013، مما يعني أن الاتفاقية مع الكويت أصبحت غير مصادق عليها في العراق بعد عشر سنوات من صدور قانون المصادقة عليها من قبل مجلس النواب العراقي!في عام 2025 أقدم رئيسا الجمهورية والوزراء، السيدان عبد اللطيف رشيد ومحمد شياع السوداني، بواسطة ممثليهما القانونيين بالطعن مجددًا أمام المحكمة الاتحادية العليا، طالبين منها العدول عن قرارها بالعدد (105 / 194 / اتحادية / 2023) المتضمن عدم دستورية قانون المصادقة على الاتفاقية، وبالتالي الحكم بدستورية القانون!وذلك في إطار سعي الحكومة العراقية للحفاظ على العلاقات الثنائية مع الكويت وتجنب أي توترات قد تنجم عن هذا القرار القضائي (القرار 105 /194)، فسجلت دعوى رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء لدى المحكمة الاتحادية العليا بالعدد (82/ اتحادية / 2025) وبقيت قيد النظر أمام المحكمة الاتحادية العليا، واستمرت المحكمة تؤجل النظر في الدعوى والبت فيها لأسباب لا نملك أدلة على ما أثير حولها من تسريبات إعلامية تتحدث عن ضغوط حكومية وحزبية، حتى استقال رئيس المحكمة الاتحادية العليا القاضي جاسم العميري واختير القاضي منذر إبراهيم حسين رئيسًا للمحكمة الاتحادية العليا بدلًا منه بتاريخ (30 / 6 /2025)، وعند مباشرة المحكمة الاتحادية العليا برئاستها الجديدة الثالثة، أبطلت دعوى العدول الثانية المقامة من قبل رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء بناءً على طلبهما.وهكذا لا زالت الاتفاقية بين العراق والكويت غير مصادق عليها من قبل مجلس النواب العراقي للحكم بعدم دستورية قانون المصادقة عليها من قبل المحكمة الاتحادية العليا، وبالتالي فإنها ووفقًا للمادة (16) منها: "1. تدخل هذه الاتفاقية حيز التنفيذ بعد تبادل الإشعارات التي يخطر بها الطرف الأخير الطرف الآخر باستيفائه الإجراءات القانونية الداخلية اللازمة لنفاذها"، مما يعني أنها لا يمكن أن تدخل حيز التنفيذ دون استيفاء الإجراءات القانونية الداخلية اللازمة لنفاذها ومنها المصادقة عليها من قبل مجلس النواب.ومن يراجع الحكمين القضائيين الدستوريين الصادرين من المحكمة الاتحادية العليا، الأول برئاسة القاضي مدحت المحمود والثاني برئاسة القاضي جاسم العميري، يكون أمام معركة قانونية ممتعة تترامى داخلها الدفوع والطلبات والإيضاحات، غير أن المعركة انتهت ربما بإجبار القاضي جاسم العميري على الاستقالة، وأكرر ليس تحت أيدينا أدلة تثبت ذلك ربما تظهرها الأيام وربما يتحدث عنها القاضي المذكور أو يكتب لنا شيئًا أيضًا، ولعودة التراشق الإعلامي بين إعلام الدولتين هذه الأيام نتيجة إيداع العراق خرائط بحرية ترسم حدوده مع دولة الكويت وفي الخليج، كتبنا لكم شذرات توثيقية مختصرة عن بعض قصة موضوع الاتفاقية من الناحية القانونية والدستورية.
|