سيكولوجيا السقوط إلى الأعلى..قراءة في توازنات القوى والخلل الإداري
![]() |
| سيكولوجيا السقوط إلى الأعلى..قراءة في توازنات القوى والخلل الإداري |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب م.م اوس ثائر ابراهيم |
| النـص : المقدمة
تُعد العدالة التنظيمية حجر الزاوية في بناء المؤسسات المستدامة، إلا أن الواقع الإداري يشهد أحياناً ظواهر تكسر منطق الاستحقاق المهني، ومن أبرزها ما يُعرف بمصطلح "السقوط إلى الأعلى" (Falling Upward). يصف هذا المفهوم حالة ترقية الموظف الذي أثبت إخفاقاً ملموساً في مهامه الحالية إلى منصب قيادي أو استشاري أرفع؛ في مفارقة تطرح تساؤلات عميقة حول آليات اختيار القادة ومعايير الصعود الوظيفي في بيئات العمل المعاصرة.
جذور الظاهرة: التخلص من الإخفاق عبر التصعيد
في كثير من الأحيان، لا يكون "السقوط إلى الأعلى" مكافأة للنجاح، بل هو استراتيجية هروب تتبعها الإدارات الضعيفة للتخلص من عبء الموظف "المعطل للعمل" في مستويات القاعدة؛ وذلك لتجنب الصدامات المباشرة أو التعقيدات القانونية المرتبطة بإنهاء الخدمة. وبدلاً من مواجهة الخلل، يُرحّل الفشل إلى طبقات عليا ليكون بعيداً عن الاحتكاك المباشر بمسارات الإنتاج اليومي، مما يحول المشكلة المحلية إلى أزمة قيادية شاملة.
البعد السيكولوجي: "السلطة كأداة للتعويض النفسي"
تُشير القراءات السلوكية في علم الإدارة إلى أن هذا النمط من الإداريين غالباً ما يعاني من "هشاشة في البناء الشخصي" خارج حدود المؤسسة. ففي حالات غياب التقدير أو السطوة في الدوائر الخاصة والاجتماعية (داخل البيئة الأسرية مثلاً)، تتحول الوظيفة إلى منصة لـ "التعويض النفسي"؛ حيث يسعى الفرد لفرض سيطرة قسرية وتصلب إداري لترميم صورة الذات المهزوزة لديه. هذا الاندفاع نحو التسلط ليس نابعاً من قوة كاريزمية، بل هو "إسقاط لعجز شخصي" يُمارس ضد المرؤوسين لتعويض نقصٍ داخلي، مما ينعكس سلباً على بيئة العمل عبر قرارات انفعالية تفتقر للموضوعية والاتزان.
المقايضة والمصالح: حين يُحصّن الفشل بـ "القرابين.
خلف ستار هذا الصعود، يبرز ما يُعرف بـ "الفساد السياسي التنظيمي". فبسبب عجزه المهني، يعمد هذا الشخص إلى تقديم "قرابين مؤسسية" لجهات نافذة تضمن بقاءه؛ وتتمثل في تبادل منافع مادية أو تقديم "رشاوي مقنّعة" عبر تسخير موارد المنصب لخدمة شبكات توفر له الحماية. وعلى الصعيد الداخلي، يمارس ما يُسمى "التسلط الاتكالي"؛ حيث يُلقي بكامل أعبائه ومسؤولياته على عاتق الموظفين الأدنى منه سلطة، مستنزفاً جهودهم ليجير نجاحاتهم لنفسه، بينما يتنصل من أي إخفاق ويلقيه عليهم، محولاً القسم الإداري إلى بيئة استغلالية قائمة على "التسلق" لا "التميز".
الحل المؤسسي: تفعيل مؤشرات الأداء.
لضمان نزاهة الهيكل الإداري ومنع تغلغل هذه التشوهات، يتحتم على المؤسسات تفعيل نظام صارم يعتمد على ما يسمى Key Performance Indicators (مؤشرات الأداء الرئيسية). إن تطبيق هذه المؤشرات بشكل دقيق يفرض لغة الأرقام والنتائج الملموسة فوق لغة العلاقات، والولاءات المادية، والتعويضات النفسية الضيقة. فعندما تغيب الـ Key Performance Indicators، يغيب الدليل الرقمي على الفشل، ويحل محله التقدير الشخصي الذي يسمح لغير الكفء بالصعود على أكتاف المبدعين.
الخاتمة
إن السقوط إلى الأعلى ليس مجرد عثرة إدارية عابرة، بل هو مؤشر خطير على انحدار قيمي وتآكل في أنظمة الحوكمة. إن المؤسسة التي تمنح "الفشل المحصن" مقعداً في قمتها إنما تبيع مستقبلها؛ فالمواجهة الإدارية الجريئة وتفعيل الرقابة المستقلة يظلان دائماً أقل كلفة من صعود قيادات تعتمد على "شراء الولاءات" وتفريغ عقدها النفسية في جسد المؤسسة. |
| المشـاهدات 37 تاريخ الإضافـة 09/03/2026 رقم المحتوى 70772 |
أخبار مشـابهة![]() |
المقطوعات الموسيقية الرمضانية بين الروحانية والتراث
المايسترو ديار آزاد يراهن على آلة القانون لإحياء النغم الروحي في العراق . |
![]() |
فيلم “سرور” في الأحساء… عودة إلى الستينات
|
![]() |
تحليل الق. الق. ج. "القاضي"
في ضوء منهج الحركات |
![]() |
الذات المنكسرة وتداعياتها في
عاشقات الحمام وعشاقهن |
![]() |
خطايا بني إسرائيل في القرآن ومعاداة المسلمين
|
توقيـت بغداد









