الإثنين 2026/3/9 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 16.95 مئويـة
نيوز بار
تحليل الق. الق. ج. "القاضي" في ضوء منهج الحركات
تحليل الق. الق. ج. "القاضي" في ضوء منهج الحركات
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

داود سلمان الشويلي

   من ميزات القصة القصيرة جدا انها ذات حدث مركزي، ومركز، ومكثف، ولغتها ايحائية، ومختصرة، وتبتعد الى حد ما عن الوصف المسهب الذي يشير الى أوصاف غير مطلوب ذكرها في النص لأنها لا تفيده بشيء، لأن كل شيء في خدمة النص، أما بقية عناصر السرد من زمان، ومكان، ومفارقة، وروح سردي/قصصي، فانها تتميز بهم جميعا  دون أن يدركها المطالع بصورة مباشرة، وواضحة.

   تهدف الق.ق.ج. الى تصوير حدث واحد ضمن فترة زمنية قصيرة، في مكان محسوس، أو غير محسوس، لتعبّر عن جانب من جوانب الحياة، وتنتهي بمفارقة واضحة، أو غير واضحة، موزعة على مدار النص القصصي هذا القصير جدا.

***

* القصة المختارة:

   ((كلّ ما مرَّ عليها طير ابيض رقصت في داخلها، كأنَّها تريد أن توصل لنفسها فكرة أنَّها بخير وأنَّها تحتاج إلى سعادة أخرى لتصدق أنَّها بخير، القاضي الذي سألها: لمن هذه الوكالة التي ترومين تأمينها هنا؟، أجابت بهدوء موسيقي: إنَّها لي، لنفسي، احاول جاهدة أن امنعها من بيع أملاكي الخاصة جدا، هاتفي النقال، جهاز الكومبيوتر الصغير الذي أحمله للآن معي، أيُّها السيد ارجوك امنعني من بيع سعادتي وذكريات مضت عليها سنوات، فهي الوحيدة القادرة على ابقاء عقلي وذهني يعيشان باسترخاء وهدوء، أما الكومبيوتر فهو الحافظ لكلِّ صوري وخصوصياتي، آه لو تعرف ماذا يدور بهاتفي النقال، لصعقت واصابك الذهول، فيه الكثير من مشاعر الكذب التي سمعتها واتباهى بها، الكثير من مقاطع فيروز التي ارسلها لمن يهوى، رجاءا فأنا يا سيدى احاول أن ادلل ذاكرتي بالحب حتى وإن كان كذبا، استغرب منها القاضي وتخيل أنَّها ربما تعاني من مرض نفسي او خلل بأعصاب الدماغ، كلنا نحاول نسيان الأخطاء إلاّ هذه المرأة تحاول الحفاظ عليها وهي مبتسمة دائما.)).

   قصة "القاضي" من القصص القصيرة جدا للقاصة رجاء الربيعي التي نشرتها في صفحة فنارات من جريدة الدستور يوم 23/4/2024، مع قصص أخرى قصيرة جدا، وهي تعبر عن مشاعر، وأحاسيس، البطلة تجاه الأشياء التي تملكها مثل: الهاتف النقال، وجهاز الكومبيوتر، ذلك لأنهما ذاكرتها التي تعيش بها.

***

   قبل أن نرتب موضوع هذه القصة ضمن الحركات الثلاثة، علينا التأكيد على ما كان لعناصر السرد فيها من حضور برهن بما لا يقبل الشك في انها صبت في قالب الق. الق. ج. هذا القالب الذي يتميز بالايجاز، من ناحية اللغة، وقلة الشخصيات، وزمانها البسيط، ومكانها المحدد، ووصفها الموجز، والمفارقة الكبيرة هي في ترك النهاية لتأويل القاريء الحصيف.

***

   يمكن تقسم القصة الى حركات ثلاثة كبرى، وهي نص يقبل القسمة الى ذلك لأن كل النصوص الأدبية تتكون من حركات كبرى ثلاثة كما فعل افلاطون عندما قسم النص الأدبي الى بداية، ووسط، ونهاية، في كتابه المعروف "فن الشعر"، فيما هذا المنهج لا يعتمد هذا التقسيم كما أسلفنا ذلك في دراسات أخرى بقدر ما يشير اليه.

   وقبل أن نأتي الى ذكر هذه الحركات علينا أن نشير الى عناصر السرد التي في هذه النص، وهي عناصر تمتاز بها كل القصص القصيرة جدا، مثل: الزمان، ويمكن تلمس ذلك، إذ أن زمان أحداث هذه القصة هو زمننا الحاضر الذي يتصف بوجود الأجهزة الألكترونية الحديثة مثل الهاتف النقال، وجهاز الحاسوب، وزمان حدثها الرئيسي. أما العنصر الآخر من عناصر السرد فهو المكان، إذ تجري أحداث القصة في البيت، وفي بناية المحكمة ان كانت المحاكمة حقيقية، أو كانت معنوية إذ تدور في مخيال بطلة القصة، أي انها أحداث معنوية. أما العنصر الثالث من عناصر السرد، فهو الوصف، فان هذه القصة القصيرة جدا لاتخلوا منه خاصة في رقصة بطلتها، أو ابتسامتها، وصوتها الذي يشبه هدوء الموسيقى. أما المفارقة القصصية التي تنتهي بها القصة فهي طلبها بإعادة ذاكرتها من جديد دون الوقوع في هوة نسيان الأخطاء القاتلة، وهي بكامل وعيها. والعنصر الأخير، وهو الروح السردي/ القصصي، فلولاه لما قرأنا هذا النص على انه قصة قصيرة جدا، ولما كتب عنها هذه الدراسة.

***

   الشكوى ليست دعوى قضائية يقدمها الشخص لأجل الحصول على حقه، بل هي خارج نطاق المحكمة. وهي تعبير عن عدم الرضا، أو التوجع من ألم، أو إظهار همّ، وتتخذ أشكالاً نفسية كالاستعطاف، أو في بعض الأحيان تكون ذات طابع رسمي (قانوني/إداري). وفي هذا النص هي من نوع الدعوى التي هي الوسيلة القانونية، والقضائية، التي يلجأ بها الشخص إلى القضاء لمطالبة غيره بحق معترف به، إن كانت هذه الدعوى حقيقية، أو دعوى معنوية تتم في الخيال.

***

   تقسم القصة الى حركات كبرى ثلاثة، هي:

* الحركة الكبرى الأولى – الدعوى:

   في هذه الحركة تقدم بطلة القصة دعوى الى القاضي، وهذه الدعوى تضم حركات أصغر من هذه الحركة، هي:

* الحركة الصغرى الأولى:

   ان فرح بطلة القصة بقبول الدعوى من خلال رقصها، ويتجلى هذا الفرح كذلك بحلم يقضتها إذ تحلم بطير أبيض يطير، وبرقصها، وسعادتها.

* الحركة الصغرى الثانية:

   ان شكواها تتحول الى دعوى قضائية يترافع القاضي، والبطلة، وقد كأن أبو تمام قد قدم شكواع على نفسه، الى نفسه، مثل شكوى/دعوى هذا البطلة، فيقول:

((شَكَوتُ وَما الشَكوى لِنَفسِى عادَةٌ
                وَلَكِن تَفيضُ النَفسُ عِندَ اِمتِلائِها
   وَمالى شَفيعٌ غَيرَ نَفسِكَ إِنَّني
                ثَكِلتُ مِنَ الدُنيا عَلى حُسنِ وائِها)).

 

* الحركة الصغرى الثالثة:

   لم تكن الدعوى هي ضد الأخر بل هي دعوى ضد النفس التي، كما يعتقد، تريد أن تبيع أشياؤها المهمة التي تقف عليها، وتستمر، حياتها في الأيام القادمة. يذكرني هذا بقصيدة المرحوم الشاعر رشيد مجيد المعنونة (من يشتري؟)، التي يبيع فيها هذه الأشياء مقابل قافية:

((وبقافية

سأبيع ما ملكت يدي

سأبيع حتى العافية

لعمر ..لا .. لا شيء غير ضبابه

وضلال ايامي وما خلف الليالي الباقية

من يشتري

عقبى غواياتي فأني تائه

متوجس الخطوات مكدود القوى

اتأمل المجهول، اسأل عن غدي فيما انطوى ،

اتثور ايامي على مستنقعي000؟)).

   إلا ان النفس لا تريد أي مقابلا لها.

   كلّ ما مرَّ عليها هو طير أبيض فرقصت في داخلها، كأنَّها تريد أن توصل لنفسها فكرة أنَّها بخير وأنَّها تحتاج إلى سعادة أخرى لتصدق أنَّها بخير، القاضي الذي سألها: لمن هذه الوكالة التي ترومين تأمينها هنا؟، أجابت بهدوء موسيقي: إنَّها لي، لنفسي، احاول جاهدة أن امنعها من بيع أملاكي الخاصة جدا،

 

* الحركة الكبرى الثانية – الأملاك:

الهاتف النقال، جهاز الكومبيوتر الصغير الذي تحمله.

* الحركة الصغرى الأولى:

   تناشد فيها القاضي أن يمنعها من بيع سعادتها، وذكرياتها، وصورها، التي مضت عليها سنوات، في هذين الجهازين.

 

* الحركة الصغرى الثانية:

   الكومبيوتر الذي تحافظ فيه على كلِّ صورها، وخصوصياتها.

* الحركة الصغرى الثالثة:

   في الهاتف النقال الكثير من مشاعر الكذب التي سمعتها، والكثير من مقاطع فيروز التي ارسلتها لمن تهوى.

   ان هذا التناقض بين مشاعر الكذب، وبين صوت فيروز، يبقى الهاتف النقال الخزانة التي تشير اليهما ليس بمعنى الاشارة العابرة بل بمعنى الاشارة الاساسية لمعرفة حبها للناس فيما بعض الناس يلاقونها بمشاعر الكذب.

 

* الحركة الكبرى الثالثة – قبول الدعوة:

   يستغرب منها القاضي، ويتخيل أنَّها ربما تعاني من مرض نفسي أو خلل بأعصاب الدماغ، فينطق حكمه عليها: ((هذه المرأة تحاول الحفاظ عليها، على أخطائها، وهي مبتسمة دائما.)).

***

    القصة هذه تضعنا أمام حالة تتميز بها المرأة المثقلة بالذكريات تجاه كل شيء، لهذا نراها تريد الأحتفاظ بهذه الذكريات ان كانت جيدة، أو كانت سيئة. أتساءل: هل مر عليها هذا في حلم النوم، أم كان حلم يقظة؟ أترك الاجابة لكل قاريء فهو الحقيق بإستقبال مثل هذه الق. الق. ج.

***

المشـاهدات 53   تاريخ الإضافـة 09/03/2026   رقم المحتوى 70779
أضف تقييـم