| النـص :
جورج كعدي
يصلح "هامنت"/ Hamnet، كرواية بدءًا ثم كفيلم، لأن يكون قصة أي أحد وأي شيء إلا واقعة موت ابن وليم شكسبير الوحيد بين أختين، وإلا الإحياء القاصر لشخصية الشاعر والمسرحي وعبقريته الفذة. فنحن أمام ميلودراما بكّاءة، فيها استعراء للمشاعر وإثارة عاطفية مفتعلة معدّة لاستدرار الدموع، على الطريقة الهوليوودية، وتحديدًا على طريقة ستيفن سبيلبرغ الذي يقف وراء إنتاج الفيلم، على أمل أن يكون شبيهًا بأفلامه المؤثرة والمتلاعبة بالعواطف والموجَّهة لجمهور عالمي عريض، لكن شكسبير العظيم ليس "إي تي" لنجعل منه ومن إحدى مآسي حياته فيلمًا لاستجداء الشفقة! كما لا تكفي "حرفية" المخرجة الصينية كلوي جاو (وهذا لفظ اسمها Chloé Zhao) وبراعاتها الأسلوبية للقبض على روحية الثقافة الإنكليزية، هي البعيدة عن هذه الثقافة بُعد الأرض عن أبعد جرم كوني، ضمن اختلاف الثقافات والحضارات وتباين خصائصها.المغامرة الخيالية بدأت مع رواية الكاتبة الأيرلندية ماغي أوفاريل/ O’Farrell التي أعملت مخيّلتها لتصوّر حادثة تاريخية هي موت ابن شكسبير هامنت عام 1596 بمرض الطاعون عن عمر إحدى عشرة سنة، والأثر الأليم الذي خلّفه في أبيه وأمه آن هاثاواي (أضحى اسمها أغنيس في الرواية)، مع التركيز على الأم، الزوجة الصالحة التي تتمتع بشخصية مستقلة وتتواصل مع الطبيعة وتدرّب الصقور وتُنسج الأساطير حولها بكونها ساحرة ابنة ساحرة. وانطلاقًا من بعض الحقائق التاريخية بنت أوفاريل رواية تاريخية خيالية هي مزيج من البحث والتكهنات حول حياة وليم شكسبير الشخصية، وقصة حبه لابنة المزارع، وأولادهما الثلاثة، وتأثير وفاة هامنت ومسيرة شكسبير المسرحية على زواجهما، وقد بدأ بوقوع أغنيس في غرام وليم الذي كان يدرّس إخوتها الصغار اللغة اللاتينية كي يساعد والده المتسلّط صانع القفازات. تحمل أغنيس قبل الزواج، ما يثير استياء العائلتين، وبخاصة والدة وليم. ومع ذلك، يتزوج الحبيبان ويستقران وتنجب أغنيس ابنتهما سوزانا. ولكن وليم الذي كان على وشك أن يغدو أشهر كاتب باللغة الإنكليزية يشعر بأنه محاصر في ستراتفورد الهادئة، فتقبل أغنيس بإخلاص وقلق انتقاله إلى لندن حيث يجد متنفسه الإبداعي المنشود، ويكون بعيدًا حين تنجب التوأم هامنت وجوديث اللذين حظيا بطفولة سعيدة برعاية الأم ورغم غياب الأب. ولأن القرون الوسطى كانت مرتعًا للأوبئة القاتلة والمتفشية، أصيبت الابنة جوديث (بحسب الرواية ثم الفيلم) بالطاعون، لكن شقيقها هامنت الذي كان والده قد أوصاه بأن يكون شجاعًا، قرر "نقل" المرض من شقيقته إليه وفداءها بحياته، وهكذا حدث، وفق مخيال أوفاريل الذي يجافي العلم والحقيقة. وكان موت هامنت الحدث الذي قصم ظهر الأم والأب وتسبّب لهما بألم وحزن عظيمين، أيضًا تبعًا للرواية والفيلم، وكان هذا الموت سببًا إبداعيًا لولادة مسرحية "هاملت"، رغم أن لا رابط في الواقع التاريخي بين الأمرين أو الاسمين، إلا في "الفتوى" الروائية التي أعادت رسم الوقائع والمشاعر على هوى الكاتبة ثم المخرجة.يقول شكسبير: "يجب أن يكون الطموح مصنوعًا من مادة أقوى". قوله البليغ هذا ينطبق على فيلم "هامنت" الذي كان في حاجة، مثل الرواية الأصل، إلى مادة أقوى لرسم بورتريه تقريبي لشخصية شكسبير، وهذا مستحيل لأن الفجوات الهائلة في معرفة حقيقة شخصيته لا تتيح ذلك، فكيف يمكن تجسيد عبقرية بهذا الحجم والعمق والتركيب الفريد المعقّد، واختزاله برجل عادي لا أثر لعبقريته في الشريط ـ المهزلة. من القادر على تصور رد الفعل الإنساني والعاطفي لوليم شكسبير على وفاة ابنه. الممثل الذي يؤدي شخصيته في الفيلم (بول مسكال) يتخبّط في أدائها، وهذا أمر طبيعي ومتوقع لأنه يتنكب مهمة بالغة الصعوبة. ومثله زوجته "أغنيس" (جيسي باكلي) التي هي في حالة "ولولة" وتمزّق وبكاء طيلة الوقت، ويطبع الأداء المسرحي حضورها وحضور زميلها، كونهما قادمين من المسرح الأيرلندي. ممثلان قديران لكنهما غير جديرين بالسيرة والحقيقة التاريخية، فالمخرجة جاو دفعتهما نحو المبالغات العاطفية لاستدرار دموع المشاهدين غير القادرين على مقاومة النداء العاطفي، إلا إذا لم يأخذوا الفيلم على محمل الجد ولم يقتنعوا بالصراخ والعويل اللذين يغمرانهم بلا هوادة. فالحزن نظام حيوي متكامل للفيلم، من بدايته إلى نهايته، ترافقه موسيقى ماكس ريكتر المبتذلة والمتكررة اللازمة طوال الفيلم."هامنت" ليس عن شكسبير وابنه الميت (الذي يؤديه الفتى جاكوبي جوبي باقتدار يجعله الأفضل في الفيلم) وعائلته، بل عن الأبوة والأمومة والفقد والتحولات النفسية. فالحزن لا يُصوَّر ولا يُقال، بل يُهمس في القلب، بحسب تعبير شكسبير نفسه في "ماكبث". من ينتظر فيلمًا عن شكسبير سيجد حضوره هامشيًا نسبيًا، حتى إن اسمه الصريح لا يُذكر إلا في الجزء الأخير من الفيلم الذي ليس سيرة ذاتية، ومع هذا يدّعي أنه كذلك. الأم هي مركز الألم، فالحزن هنا أنثوي، منزلي، في حين أن الموت بالنسبة إلى شكسبير (الحقيقي) يتحول إلى سؤال كوني وجودي ميتافيزيقي، والحداد الخاص يصبح لديه تأملًا في معنى الوجود. شكسبير شبه غائب، يوازي غيابه غياب الابن، ولا يتكلم الأب كثيرًا إلا في مسرحية "هاملت" التي يكتبها ويقدمها للجمهور في النهاية كفعل تطهري مقاوم للعدم. هامنت يموت بصمت، هاملت يُبعث بالكلام. كأن الفن يمنح ما سلبه الموت: استمرار الصوت. ومع ذلك، لا يقدم الفيلم عزاءً ولا تطهرًا تراجيديًا بالمعنى الأرسطي، إذ لا شفاء تامًا من الموت بل مجرد تحول. يزول الألم لكنه يتخذ شكلًا آخر.تغدو الأمومة في "هامنت" مركز العالم (بدءًا بوضعية الجنين عند جذع الشجرة الكبيرة التي تشبه الرحم في البداية). لا تُروى الحكاية من منظور الكاتب العبقري، بل من منظور الأم أغنيس، فهي الجسد الذي يحمل، واليد التي تربّي، والقلب الذي ينكسر. لا يبقى الحزن لها حدثًا عابرًا بل حالة وجودية تعيد تشكيل الزمان والمكان. لا تفقد الأم "فكرة" ابنها، بل تفقد جسدًا خرج من جسدها، لذا يتخذ حزنها شكلًا حسّيًا: لمسُ الثياب، رائحة الخشب، هواء الحقول. الأمومة في الفيلم ليست رمزًا بل تجربة عضوية، والحداد ليس تأملًا عقليًا بل هو ارتجاج في الإحساس بالعالم. على عكس هاملت شكسبير، لا تجادل الأم الموت بل تتحمّله. الأمومة هنا هي حزن بلا خطابة، بينما تتحوّل الفاجعة لدى شكسبير إلى خطاب فلسفي. في الفيلم، تبقى الفاجعة في البيت، في المطبخ، في سرير الطفل الخالي منه. إذا كان هاملت يجعل الموت سؤالًا كونيًا فإن هامنت يذكّرنا بأن كل سؤال كوني يبدأ بجرح شخصي. لا تتجاوز الأم الفقد بل تتعايش معه. يمسي الحزن طبقة إضافية من الوجود. الأمومة في فيلم "هامنت" سؤال أنطولوجي: ماذا يبقى من الأم بعد رحيل الابن؟ يبطئ الفيلم الزمن. لا حدث جلل سوى الموت، ولا ذروة درامية إلا الصمت الذي يليه.عدم انقيادي إلى ميلودرامية الفيلم البكّاءة، وعدم اقتناعي بشخصية شكسبير كما هي مقدّمة ومتخيّلة (رغم موهبة الممثل وحرفيته المسرحية)، دفعاني إلى تأمّل افتراضي في ما كانت لتكون معالجة هذا الموضوع على أيدي مخرجين معلّمين كبار، مثل إنغمار برغمان وأندريه تاركوفسكي وروبير بروسون، فخرجتُ بالتصوّرات الآتية بناء على أساليبهم ورؤياتهم المعروفة:لدى برغمان، كان ليصبح كل شيء مواجهة نفسية، عبر الوجوه واللقطات القريبة، فالوجه لدى المعلم السويدي هو ساحة المعركة الداخلية، ولن يكون الحزن صامتًا فقط بل متوترًا، وقد تتحوّل الأم إلى أسئلة من نوع: هل ارتكبتُ خطيئة؟ هل الله صامت؟ لماذا يُعاقب الأبرياء مثل طفلي؟ لكان برغمان استحضر البعد اللاهوتي بحدّة، كما في "صراخ وهمسات"، ولتحوّل البيت عنده إلى مسرح مغلق، ولهيمن اللون الأحمر كرمز للألم. ولن يكون معه عزاء سهل، والصمت يصير ميتافيزيقيًا يرمز إلى صمت الله. ولكان وسّع برغمان حضور شكسبير كأب، ولجعل المسافة بين الزوجين بعد موت الطفل مركز الصراع، فبين الحزن الجسدي لدى الأم والفكري لدى الأب هوّة تولّد برودة قاتلة.مع تاركوفسكي، كان الفيلم ليتحوّل إلى صلاة بطيئة داخل الزمن، ولجعل "نحات الزمن" سينمائيًا زمن فيلمه ممدودًا مع لقطات طويلة جدًا، وكاميرا تتحرّك ببطء شبه طقوسي، وسط المطر والضباب والطين والنار، فالطبيعة لن تكون والحال هذه خلفية بل روحًا ماثلة. وقد يظهر الطفل الميت في حلم، فالحلم لدى تاركوفسكي ليس استعارة بل مستوى متوازٍ للحقيقة. والأم لن تبقى مجرد شخصية في فيلمه، بل صورة أيقونية، مثل الأم في فيلمه "المرآة"، وجهها مضاء بنور خافت، والريح تعصف بشعرها، والحزن يغدو تأملًا في الذاكرة والزمن. ولن يقدم تاركوفسكي الموت كقطع بل كعبور، وقد نرى ماءً ينساب في بيت مهجور، وريشة تكتب فيما يتردّد صوت طفل بعيدًا، ليتركنا في النهاية أمام مشهد طبيعي طويل، كأن الكون كله في حداد لا الإنسان وحده. الحزن لدى تاركوفسكي حركة كونية بطيئة.عند بروسون، كنّا لنسمع خارج حقل الصورة صوت جرس بعيد، أو وقع خطوات شكسبير في الشارع، ولكانت اللقطة الافتتاحية ليد طفل على الغطاء من غير أن نرى وجهه، ثم تدخل يد الأم داخل الكادر وتلمس معصم يد طفلها، ونسمع صوت احتكاك قماش (الصوت يوازي الصورة لدى بروسون). لا موسيقى، ولا نفس يُسمع بوضوح، بل صمت درامي، عادي، تتفوّه الأم بصمت حيادي تقريبًا: "هامنت"، ولا نبرة توسّل ولا ارتعاش. فقط يد تضغط برفق وتنتظر. لا ردّ من الطفل. تمرّ لحظات طويلة. الكاميرا لا تقترب، ولا قطع، تسحب الأم يدها ببطء. تنهض، تغلق النافذة. يتوقف صوت الريح فجأة. لا بكاء. قطع مفاجئ إلى باب يُغلق في رواق. خطوات على أرضية حجرية. الغرفة فارغة بعد خروجها. السرير في الكادر. بالكاد يُلمح الطفل. صمت طويل. لا "كاثارسيس" عاطفي، لا ذروة، لا دموع تريح المتفرّج. الحزن في أسلوب بروسون ليس انفجارًا، ولن نرى لديه ولادة عمل مسرحي عظيم (هاملت). لا يُسمعنا بروسون To be or not to be. لأن المعنى لا يقال، بل يُستشعر. لا تتحوّل المأساة إلى خطاب، بل إلى أثر صامت في الإيقاع. بل كان بروسون ليجعل الفيلم كله بلا إشارة مباشرة إلى "هاملت"، فيدعنا نكتشف العلاقة وحدنا.
|