| النـص :
في زمنٍ تتسارع فيه الحروب وتتبدل فيه التحالفات يرفع سؤال موجع من بين الركام من يقودنا إلى الموت؟ وهل من يقرّر مصير الشعوب جدير أخلاقيًا بأن يحمل هذا القرار؟ العبارة الصادمة ( المتحرشون هم من يقودون الحرب ) ليست توصيفًا قانونيًا بقدر ما هي تعبير غاضب عن أزمة ثقة عميقة تضرب العلاقة بين الشعوب وطبقاتها السياسية ، إنها صرخة تعكس شعورًا متناميًا بأن من يتخذون قرارات الحرب هم أنفسهم متورطين في فساد مالي أو أخلاقي ، ومع ذلك يواصلون إدارة مصائر الملايين بقرار سياسي بثمن إنساني .. الحرب لا تبدأ في الخنادق بل تبدأ في المكاتب ، لا يُكتب تاريخها أولًا بدم الجنود بل بتوقيع سياسي على وثيقة أو أمر عسكري لكن حين تُلاحق بعض صناع القرار اتهامات خطيرة سواء بالفساد أو بسلوكيات أخلاقية مشينة فإن السؤال لا يبقى سياسيًا فقط بل يتحول إلى سؤال وجودي .. هل يمكن لمن تحوم حوله شبهات خطيرة أن يكون مؤتمنًا على أرواح البشر..؟ الشعوب لا تطالب بكمال قادتها لكنها تطالب بنزاهتهم لأن قرار الحرب ليس قرارًا إداريًا بل قرارًا يعني أن شبابًا سيُدفنون وأمهات سيثكلن ومدنًا ستتحول إلى أنقاض فالفساد السياسي ليس مجرد سرقة أموال عامة إنه تآكل بطيء في بنية الدولة وانهيار تدريجي في ثقة الناس بمؤسساتهم أما حين يقترن الفساد بشبهات أخلاقية تتعلق باستغلال الضعفاء ،كالأطفال فإن المسألة تتجاوز القانون إلى مستوى الضمير الجمعي هنا يصبح المنصب العام موضع شك ليس فقط في كفاءته بل في شرعيته الأخلاقية الشعوب التي ترى سياسيين ينجون من المساءلة رغم خطورة الاتهامات تبدأ في طرح السؤال الأخطر إذا كان القانون لا يطالهم، فكيف نأتمنهم على مستقبلنا ؟ أرواح رهينة صراعات المصالح في كثير من النزاعات المعاصرة تختلط الاعتبارات الأمنية بالمصالح الاقتصادية والنفوذ الجيوسياسي فالمواطن العادي لا يرى تفاصيل الغرف المغلقة من تجنيد، تعبئة، دمار، ضحايا لكنه يرى النتائج ، وحين تتزامن هذه النتائج مع فضائح تطال نخبًا سياسية يتعزز الانطباع بأن أرواح الشعوب قد تصبح أحيانًا ورقة ضغط أو أداة مساومة في صراعات لا علاقة لها بالقيم المعلنة ، من حق الشعوب أن تغضب وأن تسأل وأن تطالب بالمحاسبة فالعدالة لا تتحقق بالصراخ وحده لكن تتحقق بمؤسسات مستقلة وقضاء لا يخضع للنفوذ السياسي المشهد لا يقتصر على دولة بعينها في أنحاء مختلفة من العالم تتكرر فضائح سياسية وتتجدد أسئلة حول سلامة عقل من يقودون الجيوش ويتحكمون في القرارات المصيرية هذا التكرار يعكس أزمة أعمق ، أزمة ثقة عالمية بين الشعوب ونخبها الحاكمة وحين تهتز الثقة يصبح كل قرار حرب محل شك، وكل خطاب وطني محل تساؤل فالمنصب العام ليس امتيازًا شخصيًا بقدر مايكون أمانة ومن يتولى مسؤولية تتعلق بأرواح البشر يجب أن يكون فوق الشبهات أو خاضعًا لمساءلة فالحرب لا تحتاج فقط إلى قوة عسكرية، بقدر ماتحتاج إلى شرعية أخلاقية. والشرعية الأخلاقية لا تُفرض بالقوة لكنها تُكتسب بالنزاهة .. السؤال الذي يجب أن يبقى حيًا “هل نموت ليظل المتحرشون في مناصبهم” ..؟ وهل يتحول المنصب الى درع ضد العدالة ؟ الإجابة لا تكون في إسكات السؤال بل في مواجهته في بناء منظومات رقابة أقوى وقوانين أكثر صرامة وثقافة سياسية تعتبر المنصب مسؤولية لا ملاذًا لأن الشعوب التي تُطالب أبناءها بالتضحية مطالَبة أولًا بأن تضمن أن من يطلب هذه التضحية يستحق الثقة وإلا فإن الحرب لن تكون فقط معركة في الخارج، لكنها ستكون شرخًا في الداخل بين الشعب وقيادته.
|