أطباؤنا نحن في أزمة ثقة
![]() |
| أطباؤنا نحن في أزمة ثقة |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب د. لمياء موسى |
| النـص :
تحيّة عطرة لكل قارئ كريم،اسمحوا لي أن أفتح معكم في هذا المقال موضوعًا لكلّ واحدٍ منّا تجربته الشخصية معه، سواء كانت مشرقة بالنجاح أم مثقلة بالخيبة. ولأكون صادقة ومنفتحة معكم، أغلب هذه التجارب، بدرجات متفاوتة، لم تكن جيّدة.حين كنّا في المدرسة، وكانت المعلّمة تطلب منّا كتابة موضوع تعبير عن الأطبّاء أو هيئة التمريض، كان أوّل ما تخطه أقلامنا بكل براءة أنهم ملائكة الرحمة، مهمّتهم رفع المعاناة عن المرضى. نختم بما حفظناه عن ظهر قلب: يرفع الله درجاتهم ويعلي مقامهم في المجتمع. عندها تمنحنا المعلّمة الدرجة الكاملة إعجابًا بهذا التعبير الطيّب.كبرنا، وبقيت تلك الصورة الجميلة عالقة في أذهاننا، حتى جاء الواقع المرير بتجاربه القاسية، فمحا شيئًا فشيئًا جمال الصورة، وتركنا أمام تساؤلات موجعة لم نكن نعرفها ونحن نكتب ببراءة الطفولة.لنبدأ من البداية، من كليّة الطب، الحاضنة الأولى لإعداد الطبيب. سرعان ما نكتشف أن كثيرًا من مسارات التعليم فيها ما زالت أسيرة التلقين والحفظ الأعمى لمعارف جامدة عفا عليها الزمن وتجاوزها العلم منذ عقود، يفرغها الطالب كما هي في ورقة الإجابة، من دون تحديث حقيقي يواكب التطوّر الطبي السريع.يُهمَّش الدور البحثي الاستكشافي للطالب، أو يُختزل في نشاط شكلي روتيني لا غاية منه سوى حصد الدرجة واجتياز المتطلبات، فيتراجع التفكير النقدي في ميدان يفترض أن يكون في صدارة التطور العلمي المتسارع.أما عن الممارسة العمليّة، فحدّث ولا حرج؛ إذ تُجرى غالبًا داخل مستشفيات حكوميّة تفتقر إلى أبسط الأدوات والأجهزة التي تتيح تعلّمًا حقيقيًا قائمًا على التجربة والخطأ والتقويم في بيئة آمنة وموجِّهة. فتغدو الخبرة ناقصة، ويُترك الطبيب الناشئ ليواجه مهنته مستقبلًا بزادٍ أقلّ مما تقتضيه ثقل المسؤولية.ما يزيد المشهد قتامة الغياب شبه التام لمواد أساسيّة تُعنى بكيفيّة التعامل مع المريض بوصفه إنسانًا، يُستقبل في أضعف لحظاته وأكثرها هشاشة، لا مجرّد حالة سريريّة. وبهذا يُختزل الطب في تشخيص بارد ووصفة عابرة، بينما يُهمَل بُعده الإنساني، وهو ركن لا تقوم ممارسة طبيّة رشيدة من دونه.كذلك يفتقر التعليم إلى مقرّرات جادّة تبين أثر الأنماط الغذائيّة في نشوء الأمراض وتطورها ومسارات علاجها، رغم الدور الجوهري للتغذية في الوقاية والتعافي.وفوق ذلك يغيب تعلّم العمل ضمن فريق متعاون، سواء في أروقة المستشفيات أو في العيادات الخاصّة، حيث يُفترض أن يكون الطب عملًا جماعيًّا لا اجتهادًا فرديًّا معزولًا.ونتيجة لكلّ ذلك، أعزّائي القراء، يخرج لنا طبيب «حجري»، «إله صغير»، صلب الرأي، مغلق الأفق، متخم بالمصطلحات، ثمرة تعليم تلقيني حوّل الأستاذ إلى مُلقِّن، والطالب إلى تابع. طبيب لا يرى في الإخفاق فرصة للتعلّم، بل تهديدًا لصورته وهيبته، عاجز عن إدارة مشاعره، فقير الأدوات في فهم مشاعر مرضاه والتعامل معها.ومع الوقت تنقلب البوصلة، فيصبح الهدف الأساسي من المهنة حصد أكبر قدر ممكن من المال، وفي الطريق، للأسف، تُحصد الكثير من الأرواح.ومع تفشّي المحسوبية تحوّلت النقابة نفسها إلى كيان مبعثر، غارق في العلاقات الشخصية والمصالح الفردية؛ فالطبيب الذي يخطئ، إذا وجد من يسنده، يُغضّ عنه الطرف. أدّى ذلك إلى انهيار الثقة بالمنظومة الصحيّة، وصولًا إلى تآكل الاحترام تجاه المهنة بوصفها مهنة إنسانيّة كانت يومًا مقدّسة.انعكس هذا الواقع مباشرة على البسطاء، الذين صاروا يردّدون بلهجتهم الشعبيّة:«ربنا ما يوقّعك تحت إيد دكتور».هي دعوة يُقابلها الطرف الآخر بـ«آمين». ليست دعاءً بقدر ما هي إدانة قاسية تعكس الدرجة التي وصلت إليها صورة الطبيب في وعي الناس.ولعلّ أقسى الأمثلة على فقدان الثقة في منظوماتنا الصحيّة، وممّا يؤسفني حقًّا أن أستحضره، أنّه يتكرّر كثيرًا: رؤساء بعض الدول التي تُصنَّف ضمن ما يُسمّى بالعالم الثالث، ما إن تصيبهم وعكة صحيّة حتى يشدّوا الرحال إلى شمال الكرة الأرضيّة طلبًا للعلاج. هذا المشهد وحده كفيل بأن يكشف إلى أيّ درك بلغناه في عدم الثقة بأطبّائنا وبمؤسّساتنا الصحيّة، وهو إدانة صامتة لكنها فادحة.لكن دعونا ننتقل إلى الضفّة الأخرى من العالم؛ بلدان اختارت الحياة طريقًا لها، فأنشأت منظومة صحيّة تُعلي قيمة المهنة والإنسان معًا.في ذروة اشتداد وباء كورونا خرج شعب بأكمله يوميًا، في الساعة السابعة مساءً، لمدّة عام، يصفق للأطباء وهيئة التمريض عرفانًا بتضحياتهم وبسالتهم، في مشهد إنساني يختصر معنى الاحترام الحقيقي للمهنة والإنسان، ويعيد الطب إلى جوهره السامي.يكفي هذا المشهد وحده ليكشف عن عمق الثقة التي تُمنح للمنظومة الصحيّة بأكملها، ويطرح السؤال الأعمق: كيف استطاعت هذه المنظومة أن تحافظ على هذه الثقة، وأن تبني جسورًا متينة من الوفاء والاعتماد مع الناس؟هذه الثقة لم تولد صدفة، ولا هي وليدة لحظة عاطفية عابرة؛ بل ثمرة تراكمات طويلة من الجهد المنهجي والتنظيم الحديث والإصرار على الاحترافية.هنا تلعب نقابة الأطباء دور الحارس الصارم؛ تفرض قوانين لا يُسمح لأي طبيب بتجاوزها، وتضمن تحقيقًا جادًا وشفافًا لا يقتصر على الإجراءات الشكلية في كل شكوى، قد ينتهي في بعض الحالات إلى شطب الطبيب من النقابة. إنها عقوبة صارمة وقاسية، وقد شهدت بنفسي حالات عديدة من هذا النوع.لكن هذه الصرامة ليست عقوبة بحتة؛ بل درع حماية يحفظ قيم المهنة ويصون صورة الطبيب في أعين المجتمع. والأهم من ذلك أنها ركيزة أساسية تحافظ على ثقة الناس به وبالمنظومة الصحيّة برمّتها، وتجعلها علاقة متينة لا تهزها أي عاصفة شك أو اعتراض. ومع ذلك، فلكل أزمة مخرج، ولكل طريق يبدو مسدودًا نور خافت يهدي إلى الخلاص.ما وصلنا إليه حصيلة تراكمات طويلة من الإهمال وسوء الإدارة، ولا يمكن إعادة بناء الثقة بالقفز أو بالحلول السريعة، بل بالسير خطوة خطوة بصبر وعزيمة.تبدأ الخطوة الأولى بتشريع قوانين واضحة وحازمة تُنظّم عمل المنظومة الصحيّة في القطاعين العام والخاص، وتمتد لتشمل تنظيم عمل نقابة الأطباء. قوانين لا مكان فيها للمحسوبيّة ولا للواسطة، ولا تُفتح أبوابها إلا للكفاءة والاستحقاق؛ حيث يكون التقدّم للأجدر لا للأقرب، ولمن يملك القدرة لا لمن يملك النفوذ.قوانين لا يستطيع أحد القفز فوقها أو الالتفاف عليها، مهما علا شأنه أو اتّسع نفوذه. فهي الإطار الصارم الذي يصون الحقوق ويرسّخ أسس العدالة والمساءلة، ويبعث برسالة واضحة إلى الجميع مفادها أن الكفاءة والمهنية وحدهما معيار التقدير والاحترام.أعود من جديد إلى اللبنة الأولى: طالب الثانوية العامة الذي يلتحق بكليّة الطب. هذا الإنسان الصغير في عمره، الكبير في قابليته للتشكّل، قادر على أن تحتضنه الدول الواعية فتمنحه تعليمًا حديثًا ومناهج متطورة، وتعلّمه كيف يكون طبيبًا ناجحًا وإنسانًا قبل كل شيء، بالتلقين العلمي القائم على الفهم، ليخرج جيلًا جديدًا من الأطباء مختلفًا في الوعي والسلوك، حاملاً رسالة المهنة بكل أمانة ومسؤولية.يأتي تخصيص ميزانية حقيقية وكافية لوزارة الصحّة، ولدعم القطاع الصحي الحكومي تحديدًا. فمهما بلغ القطاع الخاص من ثراء وإمكانات، ومهما استقدم من أطبّاء من أصقاع الأرض، يظل القطاع العام هو وجه الدولة أمام مواطنيها ومرآة عدالتها وكرامتها.وأخيرًا تقع على عاتق وزارة الصحّة مسؤولية لا تقل شأنًا عن العلاج، بل تسبقه وتوازيه: ثقافة نشر الوعي الصحي، لا الاكتفاء بمداواة المرض بالأساليب التقليدية. فالتوعية الصحية ركيزة أساسية ينبغي أن تتجسّد عبر مؤسسات الدولة ومن خلال الإعلام بكل أشكاله؛ لأنها جزء لا يتجزأ من المنظومة الطبية وشرط من شروط نجاحها.وحين تُدار هذه المنظومة المتكاملة بحكمة ورؤية يصبح بالإمكان، ولو في الأمد الزمني القريب، أن نلمس نجاحات حقيقية، وأن نرى قبسات من نور في أماكن كثيرة كانت حتى الأمس القريب غارقة في العتمة، وأن تبدأ رحلة استعادة ما فُقد من ثقة وكرامة خطوة بعد خطوة.فالطبيب ليس مجرد واصف للدواء، بل إنني أتحفّظ على اختزال دوره في هذه الكلمة. الطبيب بوابة الوعي الصحي ومرشد الإنسان إلى فهم جسده قبل أن يكون كاتب اسم على ورقة بيضاء. إنه حلقة الوصل بين العلم والإنسان.أيها الطبيب، لو تعلم لماذا اصطفاك الله لأداء هذه الرسالة، لخضت فرحًا بهذا الاصطفاء، ولأدركت أنها رسالة إلى الناس قبل أن تكون وظيفة تقتات منها. فأنت ملجأنا في أضعف حالاتنا وأشد لحظات عجزنا؛ نأتيك مثقلين بالألم، عراة من القوة، نبحث قبل الدواء عن لمسة حنان وعن كلمة صادقة تطمئن قلوبنا.نريدك أن تدرك أنك تتعامل مع إنسان، لا مع آلة، وأن العلاج ليس مجرد حبوب تُبلع أو سائل يُحقن في عروق واهنة، بل قلب حاضر يشعر بنا.أرجوك، تنبّه إلى عظمة هذا الاصطفاء، واحمله كما يليق به قبل أن يُنزع منك، ويُستبدل بك من هو أقدر على صونه وأشد وفاءً لرسالة لا تحتمل التهاون.
|
| المشـاهدات 46 تاريخ الإضافـة 01/04/2026 رقم المحتوى 70948 |
توقيـت بغداد









