| النـص :
يروى أنه مر ذات يوم العابد الزاهد مالك بن دينار البصري بالسوق فرأى بائع تين، فاشتاقت نفسه للتين لكنه لم يكن يملك ثمنه، فطلب من البائع أن يبيعه التين ويؤخر عنه الدفع لوقت آخر، فرفض البائع، ثم عرض مالك على البائع أن يرهن عنده حذائه مقابل هذا التين، فرفض البائع ذلك أيضاً، فانصرف مالك بن دينار، وأقبل الناس على البائع بعد ذلك وأخبروه عن هوية المشتري، فلما علم البائع أنه مالك بن دينار، أرسل غلامه بعربة التين كلها لمالك بن دينار وقال البائع: لغلامه إن قبلها منك فأنت حر لوجه الله، فذهب الغلام إلى مالك ووضع في باله أن يبذل قصار جهده في إقناعه حتى يأخذ عربة التين كلها منه حتى ينال حريته، فإذا مالك يقوم له اذهب إلى سيدك وقل له: إن مالك بن دينار لا يأكل التين بالدِّين، وإن مالك بن دينار حرَّم على نفسه أكل التين إلى يوم الدين!!! فقال الغلام: يا سيدي خذها فإن فيها عتقي، قال مالك: إن كان فيها عتقك فإن فيها رقِّي - أي عبوديتي -، فمالك بن دينار رأى أن شهوته قد أذلته، وأن بطنه قد أهانته، فأدبها فحرَّم عليها أكل التين إلى يوم الدين تهذيباً لها!!! وقد حذر سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) من هؤلاء الذين يأكلون الدنيا بالدِّين فقال: "الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق... ثم تنفس الصعداء وقال: ها إن ها هنا – وأومأ بيده إلى صدره- علماً ، لو أصبت له حملة، بل أجد طالباً غير مأمون، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بنعم الله على عباده، ويحججه على كتابه...". وما أكثر اليوم هؤلاء الذين حذر منهم سيدنا علي (رضي الله عنه) ممن يأكلون الدنيا بالدِّين، لا بل أكلوا الدنيا بكل ما فيها بالدِّين، أكلوا الأخضر واليابس فلم يتركوا شيئا إلا نالوا منه، فالذي يُؤكل أكلوه، والذي يُبلع بلعوه، والذي يُسفّ سفّوه، والذي يُنشق نشقوه، فأذلتهم شهواتهم، وأهانتهم بطونهم، فأصبحوا مكشوفين مفضوحين للناس محتقرين عندهم، صغاراً في عيون الناس جمعياً إلا في عيون المستفيدين منهم!! بان كذبهم وظهر زيفهم، أما كان لهؤلاء من أي مذهب أو قومية كانوا أن يتأسوا بالخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو العظيم -والعظمة لله- عند جميع الناس والذي كان من قوله: "يا أهل الكوفة إذا انا خرجت من عندكم بغير راحلتي ورحلي وغلامي فأنا خائن". هؤلاء العظماء خرجوا من الدنيا ولا يملكون من حطامها شيئاً. لهذا فإن ادعاء هؤلاء المحبة للعظماء هو كلام فقط ليس له في الواقع حقيقة ولا وجود، وليس عليه سند ولا دليل؛ لأن من أحب أحداً أطاعه وسار على نهجه، فدليل الحب وعلامته الطاعة. فالذي يدَّعي التدين ويتكلم باسم الدين ويرفع شعاره وقد أوغل في المال العام، وأكل حقوق الفقراء والمساكين من أموال البلد وثرواته، أو حابى الفاسدين والسراق فهو قطعاً ممن يأكل الدنيا بالدِّين وما أكثر هؤلاء اليوم، وقد صدق عبدالله بن المبارك حين وصفهم بالسفلة.
|