الإثنين 2026/6/1 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 27.95 مئويـة
نيوز بار
البنفسج حين يتحوّل إلى موسيقى قراءة حسّية–موسيقية في قصيدة "متاهات إيقاع بنفسج"
البنفسج حين يتحوّل إلى موسيقى قراءة حسّية–موسيقية في قصيدة "متاهات إيقاع بنفسج"
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

للشاعرة د. سجال الركابي

ناظم ناصر القريشي

 

لماذا هذه القصيدة؟

ليس من السهل قراءة هذه القصيدة بوصفها نصاً لغوياً فحسب؛ فهي منذ عنوانها تعلن أنها تجربة حسّية مركّبة، وأنها تُكتب لكي تُسمَع بقدر ما تُقرأ. فـ"متاهات إيقاع بنفسج" ليست عبارة زخرفية، بل مفتاح التجربة كلها. فالمتاهة فضاء الحركة والضياع اللذيذ، والإيقاع زمنٌ موسيقي، والبنفسج لونٌ وجداني رقيق. ومنذ اللحظة الأولى يدخل القارئ في فضاء تتداخل فيه الحواس: الصوت يصبح لوناً، واللون يتحوّل إلى حركة، والزمن يكتسب ملمساً.

افتتاحية إزالة الخوف: من السهم إلى الضوء

تبدأ القصيدة بسؤال:

لمَ تتوخّى الحذر؟ لستُ سهماً…

هذا الاستهلال يخلق توتراً أولياً: هناك خوف من اختراق ما. لكن المفاجأة تأتي فوراً حين تعرّف الذات نفسها بأنها:

"دقائق نور."

إنه انزياح لافت؛ فبدلاً من صورة السهم الحاد تأتي صورة الزمن المضيء. الذات ليست جسداً أو عاطفة فقط، بل زمنٌ مضيء يتسلل. ومن هذه اللحظة تبدأ القصيدة مسارها الحركي: من الضوء إلى القلب، ومن القلب إلى النبض، ومن النبض إلى الزمن الداخلي.

حركة التسلل الحميم

يتصاعد التوتر عبر سلسلة أفعال مضارعة متلاحقة:

أتغلغل – أزلزل – ألعثمها – أُشربكها – أشرئب – أنهمر – أُذهّب…

هذه السلسلة تشكّل ما يشبه نبضاً إيقاعياً متتابعاً، وكأن القصيدة تُبنى على ضربات خفيفة متلاحقة. الأفعال لا تصف حالة ثابتة، بل حركة مستمرة نحو الداخل، نحو القلب والنبض والزمن الشخصي.

وتبلغ الصورة إحدى ذراها في العبارة اللافتة:

"أُذهّب صيهود خيباتك"

حيث تتحول الخيبة إلى صحراء، ويتحوّل حضور الذات إلى مطر وذهب في آن.

الكلبدون: المطر حين يرتدي الذهب

تأتي عبارة: "كلبدون إيقاع مطر" بوصفها مفصلاً مركزياً في القصيدة.

الكلبدون نسيج عراقي فاخر مطرّز بخيوط ذهبية أو فضية، مرتبط بالزينة والاحتفال. ومع هذه المفردة تتضح ثيمة خفية في النص: التذهيب.

فالقصيدة:

•       تُذهّب الخيبة

•       تُذهّب المطر

•       تُحوّل الإيقاع إلى نسيج مطرّز بالذهب

وهنا يتشابك المحلي (النسيج الشعبي) مع الحسي (المطر والفرح) ليصبح الإيقاع نفسه شيئاً ملموساً ومنسوجاً.

البنية الدائرية: العودة إلى البنفسج

تنتهي القصيدة بعودة واضحة إلى العنوان:

"نلفّ الكون متاهات إيقاع بنفسج."

هذا الإغلاق الدائري يشبه البنية الموسيقية التي تبدأ بثيمة ثم تعود إليها بعد التطوّر. لقد اتسعت التجربة من القلب إلى الكون، لكن اللون البنفسجي بقي هو النغمة الأساسية.

موسيقى القصيدة: طبقات الإيقاع الداخلي

1.     إيقاع التنفّس – كثرة الوقفات والنقاط والأسطر القصيرة تخلق إيقاعاً تنفّسياً حميمياً يشبه الهمس. كل سطر يبدو كشهيق، والسطر التالي كزفير. زمن القصيدة بطيء وحالم.

2.     الإيقاع التصاعدي – القصيدة تتحرك من الهدوء إلى الامتلاء:

ضوء ← تغلغل ← زلزلة ← انهمار ← سفر ← التفاف الكون. إنه تصاعد موسيقي، حيث تزداد الشدة تدريجياً.

3.     الإيقاع المائي – تتكرر مفردات المطر والموج والنسيم، فتشكّل ما يشبه لازمة موسيقية مائية. خلف القصيدة دائماً صوت مطر خفيف.

4.     الإيقاع الضربي – تكرار الأفعال المضارعة، وخاصة المفتتحة بالهمزة، يمنح النص ضربات صوتية خفيفة متتابعة.

5.     الإيقاع اللوني – الألوان هنا تعمل كـ"ألوان صوتية": البنفسج – الذهب – الأخضر – الضوء. وهي تقابل ما يسمى في الموسيقى لون الصوت.

6.     الشكل الدائري – البداية والنهاية تتلاقيان، كما في صيغة موسيقية تقوم على الثيمة والتطوّر ثم العودة إلى الثيمة.

قصيدة تُعاش، لا تُقرأ فقط

هذه القصيدة نموذج جميل للشعر الذي يعتمد على الخبرة الحسية بدلاً من التعبير المباشر. فهي لا تكتفي بأن تُقرأ، بل تُسمَع وتُرى وتُلمس. الإيقاع فيها ليس وزناً عروضياً، بل بنية شعورية كاملة تتكوّن من التنفّس والتصاعد والمطر واللون والدائرة.

هذه قصيدة تُكتب بالحبر، لكنها تُعاش كقطعة موسيقية بنفسجية تمتد من القلب حتى الكون.

ولهذا فالسؤال الأخير الذي تتركه في ذهن القارئ ليس: ماذا قالت؟ بل: كيف جعلتني أشعر؟

القصيدة

متاهاتُ إيقاعِ بَنَفسَج

لِمَ تتوخّى آلحَذَرَ؟

لستُ سهماً... ...

أنا... ... دقائق نورٍ

أتغلغلُ في شغافِكَ

أُزلزلُ لحظاتِ نبضِكَ

أُلَعثمها... أُشربِكها

من عينيكَ ...أشرئبُّ

في ذاتِكَ ...أنهمرُ

مِزنَ فرحٍ

أُذهِّبُ صيهودَ خيباتك

(كلبدون) إيقاعِ مَطَر

فيكَ ... بِكَ ... أسري

موجَ نسيمٍ أخضر

نَتَبتّلُ …نتماهى

نلفُّ الكونَ

متاهاتِ إيقاعِ بنفسج…..

المشـاهدات 14   تاريخ الإضافـة 01/06/2026   رقم المحتوى 71009
أضف تقييـم