| النـص : يبدو أن العراقيين قد تأقلموا مع الأزمات منذ زمن، وتعودوا على الانتظار في الطوابير، حتى صار الانتظار في الطوابير من أصول العيش في العراق وضرورياته، وروتين الحياة اليومي فيه، فلم يعد الانتظار في الطوابير مقصور على أبواب أو شبابيك الدوائر الحكومية لإكمال معاملة أو انجاز وثيقة أو الحصول على مستمسك، وإنما صار الوقوف في الطوابير والانتظار للحصول على أبسط الحاجات الأساسية كالغاز والبنزين والنفط وغيرها شيء طبيعي ومألوف، فصرنا نرى الطوابير التي على الوقود من نفط، أو غاز، أو بنزين تضرب رقم قياسي جديرة بأن تدخل في موسوعة غينيس للأرقام القياسية نتيجة الأزمات الحقيقية أو المفتعلة، وغالب تلك الأزمات مفتعلة، يفتعلها الحيتان لمصالح وغايات شتى ويدفعها ضريبتها الفرد البسيط من جهده، ووقته، وأعصابه، صار حصول العراقي على تلك الحاجات انجاز مهم وكبير، فكم رأينا في الواقع أو خلال شاشات التلفاز، أو على مواقع التواصل الاجتماعي الفرحة التي تغمر الوجوه، والتي لا تسعها القلوب لحصول عراقي على حاجة بسيطة بعد طول انتظار وكأنه فاز بشيء عظيم أو جائزة كبيرة!! هكذا أصبحت تلك الحاجات التي هي تفاصيل يومية بسيطة وليس لها أي أهمية في الدول التي تحترم شعوبها، وتهتم بمواطنيها هي معارك حقيقية بمعنى الكلمة يخوضها الفرد العراقي ليفوز بنهايتها بالحصول على قنينة غاز، أو فول بنزين، أو طبقة بيض!! أزمات تتوالى، وطوابير تستمر، فهل هذا من سياسة الاشغال التي تلجأ إلى الدول والحكومات لإشغال مواطنيها وتحويل أنظارهم عن القضايا المهمة إلى الانشغال بأمور تافهة من أساسيات الحياة وأبسط الحقوق لكل إنسان؟ كيف يعقل في بلد يطفو على بحر من النفط أن يقف الفرد فيه ساعات ليحصل على قنينة غاز، أو مائة لتر من النفط، أو فول بنزين، وفي كثير من الأحيان منهم يبيت أمام محطة الوقود ليحصل على مبتغاه!! قبل عيد الأضحى لم تكن هناك أي أزمة في البنزين، فالبنزين متوفر، والمحطات شبه فارغة فما عدا مما بدا حتى يشهد الفرد العراقي خلال أيام قليلة حدوث أزمة في البنزين؟! إن أزمة البنزين ليست هي نهاية المطاف في الأزمات، فالأزمات ستسمر وسيبقى العراقي يعيش في حلقة مفرغة لا نهاية لها من الأزمات، فما يكاد يخرج من أزمة، حتى يدخل في أخرى وهكذا دواليك ما دام الفساد وحيتانه باقين. إن كثرة الأزمات جعلت من الفرد العراقي كما أسلفت يألف منظر الطوابير، ويتعود على الانتظار، بل صار الانتظار للحصول على أساسيات الحياة جزء من الهوية العراقية، حتى صار الحصول على الشيء بدون انتظار أو معاناة لا طعم له، ولا لذة فيه!! في كل الدول التي تحترم رعاياها يحصل المواطن فيها على حاجاته من غير انتظار، ولا جهد، ولا عناء، ولا منّ ولا إذلال، أما عندنا فليس الحصول على الحق بالأمر الهين والسهل حتى لو كان هذا الحق بسيطاً، وإنما لا بد من دفع ضريبته بالمعاناة، والانتظار، والخضوع، والمنِّ، والإذلال.
|