| النـص : يُعدّ حق التظلّم من العقوبات الانضباطية من الضمانات القانونية الجوهرية التي كفلها المشرّع العراقي للموظف العام، تحقيقاً لمبدأ المشروعية وحمايةً للوظيفة العامة من التعسف الإداري أو إساءة استعمال السلطة. وقد نظم المشرّع العراقي ذلك بموجب قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم (14) لسنة 1991 المعدل، الذي أرسى قواعد قانونية توازن بين سلطة الإدارة في فرض الانضباط الوظيفي وحق الموظف في الدفاع والطعن.فالعقوبة الانضباطية، وإن كانت من صلاحيات الإدارة، إلا أنها تخضع لرقابة القانون والقضاء الإداري، ولا يجوز فرضها إلا بعد إجراء تحقيق أصولي يُمكّن الموظف من بيان دفوعه وأوجه دفاعه. كما أن المادة القانونية الخاصة بالتظلّم منحت الموظف حق الاعتراض على العقوبة أمام الجهة الإدارية الأعلى خلال المدد المحددة قانوناً، باعتبار التظلّم مرحلة إدارية سابقة على الطعن القضائي.ومن التطبيقات العملية لذلك، ما يحصل أحياناً من فرض عقوبة “لفت النظر” أو “الإنذار” بحق موظف بسبب تأخره عن الدوام الرسمي، رغم وجود عذر مشروع أو تكليف رسمي خارج الدائرة، الأمر الذي يجيز له تقديم تظلّم مدعوم بالمستندات الرسمية لإلغاء العقوبة لانتفاء الخطأ الوظيفي. كما قد تُفرض عقوبة “قطع الراتب” نتيجة تقرير إداري غير دقيق، فيلجأ الموظف إلى الطعن لعدم كفاية الأدلة أو لوجود مخالفة في إجراءات التحقيق.ويبرز هنا دور القضاء الإداري ممثلاً بمحكمة قضاء الموظفين، التي تختص بالنظر في الطعون المتعلقة بالعقوبات الانضباطية، حيث تمارس رقابة قانونية على صحة القرار الإداري من حيث الاختصاص والشكل والسبب والمحل والغاية. وقد استقر القضاء الإداري العراقي على إلغاء العقوبات التي يشوبها التعسف أو الانحراف في استعمال السلطة أو مخالفة الإجراءات القانونية.وعليه، فإن التظلّم والطعن القضائي لا يمثلان خروجاً على السلطة الإدارية، بل يُعدّان ضمانة دستورية وقانونية لتحقيق العدالة الوظيفية وترسيخ مبادئ النزاهة والحياد وسيادة القانون داخل مؤسسات الدولة العراقية.
|