الإثنين 2026/6/8 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 30.61 مئويـة
نيوز بار
من ضفاف الرافدين الى آفاق المغرب العربي قراءة في كتاب "قراءة من بُعد: لقضايا مغاربية" للدكتور محمود صالح الكروي
من ضفاف الرافدين الى آفاق المغرب العربي قراءة في كتاب "قراءة من بُعد: لقضايا مغاربية" للدكتور محمود صالح الكروي
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

الأستاذ الدكتور رضا كامل الموسوي

 

ثمة كتب نقرؤها لأنها تضيف الى معلوماتنا شيئا جديدا، وثمة كتب أخرى نقرؤها لأنها تعيد رسم خرائط وعينا، وتفتح نوافذ ظلت موصدة بين أقاليم الفكر والجغرافيا والتاريخ. وكتاب "قراءة من بُعد: لقضايا مغاربية" للدكتور محمود صالح الكروي ينتمي إلى هذا الصنف الثاني ؛ فهو ليس مجرد مجموعة دراسات سياسية عن المغرب العربي، بل محاولة معرفية نبيلة لردم المسافة بين جناحي الأمة العربية، واستعادة الحوار بين المشرق العربي والمغرب العربي بعد قرون و عقود من التباعد الذي فرضته الجغرافيا أحيانا، وعمّقته السياسة أحيانا أخرى.

منذ الصفحات الأولى يشعر القارئ أنه لا يقف أمام باحث يراقب من خلف الزجاج ، بل أمام شاهد عاش التجربة واقترب من تفاصيلها، وخبر نبضها الثقافي والسياسي والإنساني. فالمؤلف الذي حمله القدر إلى الرباط عاصمة المغرب في ثمانينيات القرن الماضي لم يكتف بالإقامة في المغرب ، بل أقام في روحه أيضاً؛ فكانت تلك السنوات بوابة واسعة قادته إلى اكتشاف عالم مغاربي ثري، متعدد الطبقات، ومفعم بالتاريخ ،والأسئلة والتحولات.

هكذا جاء هذا الكتاب أشبه برحلة معرفية طويلة في جغرافيا المغرب العربي، لا رحلة سائح يلتقط الصور العابرة ، بل رحلة باحث يسعى إلى فهم ما يجري خلف الأحداث، وما يختبئ وراء العناوين السياسية الكبرى .

لقد باتت الأخبار تتسارع في زمننا الحاضر ،حتى تفقد معناها ، في حين ان الدكتور الكروي اختار أن يتأنى في النظر ، وأن يمنح القارئ فرصة للتأمل في السياقات العميقة التي صنعت الواقع المغاربي المعاصر. ولذلك فإن الكتاب لا يتوقف عند وصف الظواهر السياسية، بل يحاول تفكيك بنيتها وفهم جذورها التاريخية والثقافية .

في المغرب، يقودنا المؤلف إلى واحدة من أكثر التجارب السياسية العربية خصوصية وتعقيداً؛   هناك حيث تتجاور الشرعية التاريخية مع متطلبات الدولة الحديثة، وحيث تتوائم المؤسسة الملكية مع الأحزاب والحركات الإسلامية والمجتمع المدني في معادلة دقيقة حافظت على توازنها رغم العواصف التي اجتاحت المنطقة.

لا يقرأ المؤلف المغرب بوصفه حالة سياسية فحسب، بل بوصفه أنموذجا حضاريًا تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل بين الدين والتاريخ والسلطة والمجتمع. ومن خلال تناوله للحركات السياسية و الإسلامية والإصلاحات الدستورية والتجربة الديمقراطية والبرلمانية والعلاقات الدولية، يرسم صورة بانورامية لمجتمع يفاوض الحداثة دون أن يتخلى عن ذاكرته .

 أما الجزائر ، فتظهر في الكتاب بوصفها أرض الذاكرة والمقاومة وسؤال الهوية الكبير. هنا يستعيد المؤلف فكر عبد الحميد بن باديس لا باعتباره جزءا من الماضي، بل بوصفه مشروعا ما زال قادراً على محاورة الحاضر.

وفي مقابل هذا الحضور الإصلاحي، يكشف الكتاب وجها آخر من وجوه الصراع التاريخي، يتمثل في محاولات الهيمنة الثقافية التي رافقت الاستعمار الفرنسي، وما خلفته من آثار عميقة في بنية المجتمع والوعي الوطني.

وفي هذه الصفحات تحديداً تتجلى إحدى أهم فضائل الكتاب ؛ إذ لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يعيد طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والانتماء واللغة والثقافة ، وهي أسئلة ما تزال حاضرة بقوة في عالمنا العربي المعاصر.

وعندما ينتقل المؤلف إلى تونس ، فإننا ندخل مختبرا سياسيا عربياً فريدا. فهذه البلاد الصغيرة جغرافيا تحولت خلال العقد الأخير إلى واحدة من أكثر الساحات العربية إثارة للأسئلة.

يتابع الكتاب تفاصيل التحولات التي أعقبت انتفاضة ٢٠١١، ويرصد آمال الديمقراطية ومخاوفها، وانتصاراتها وانتكاساتها، محاولاً أن يفهم كيف يمكن لمجتمع أن يعيد بناء نفسه بعد سقوط نظام استمر لعقود.

إن تونس التي تظهر في هذا الكتاب ليست مجرد حالة سياسية ، بل مرآة تعكس أسئلة العالم العربي كله حول الحرية والدولة والمواطنة ومستقبل التحول الديمقراطي.

أما موريتانيا ، ذلك الفضاء العربي الممتد بين الصحراء والمحيط الأطلسي ، فتأتي في الكتاب بوصفها الجار البعيد الذي كثيرا ما غاب عن دائرة الضوء.

ويحسب للمؤلف أنه يعيد تقديم موريتانيا إلى القارئ العربي من زاوية مختلفة، فيسلط الضوء على تاريخها السياسي وتحولاتها الداخلية وعلاقاتها الخارجية، مؤكداً أن فهم العالم العربي يظل ناقصاً ما لم تتكامل صور أجزائه كافة.

ما يمنح هذا الكتاب قيمته العلمية الحقيقية ليس تنوع موضوعاته فحسب ، بل الرؤية التي تجمع بينها. فخلف كل دراسة، وخلف كل حدث سياسي، يقف سؤال مركزي يكاد يتكرر بصيغ مختلفة: كيف تصنع الأمم توازنها بين الأصالة والتحديث؟ وكيف تحافظ على هويتها وهي تواجه ضغوط الداخل والخارج؟ وكيف يمكن للدولة أن تتغير دون أن تفقد استقرارها؟

إنها الأسئلة ذاتها التي شغلت الفكر العربي طوال القرن الأخير، والتي ما تزال مفتوحة على احتمالات عديدة .

لقد كتب الدكتور محمود صالح الكروي من موقع الباحث ، لكنه لم يتخلى عن حس المثقف العربي الذي يرى في المعرفة جسراً للتقارب لا مجرد أداة للفهم.

ولذلك يمكن اعتبار هذا الكتاب دعوة صريحة إلى إعادة اكتشاف المغرب العربي، وإلى تجاوز الصور النمطية التي اختزلت هذه المنطقة الغنية في عناوين سياسية عابرة.

فالكتاب في جوهره رسالة ثقافية بقدر ما هو دراسة سياسية؛ رسالة تقول إن المشرق العربي لا يكتمل دون المغرب العربي ، وإن المعرفة المتبادلة بينهما ليست ترفا فكريا، بل ضرورة حضارية.

بعد الفراغ من قراءة هذا الكتاب، لا يخرج القارئ بمجموعة من المعلومات فحسب، بل يخرج بإحساس عميق بأن الوطن العربي ما يزال في حاجة إلى مزيد من الجسور المعرفية التي تعيد وصل ما انقطع بين أجزائه.

ومن هنا تبرز أهمية هذا الإنجاز العلمي ؛ فهو لا يقرأ المغرب العربي من بعيد كما يوحي عنوانه، بل يجعله أقرب إلى القارئ من أي وقت مضى، ويحول المسافة الجغرافية إلى مساحة للفهم والحوار والتأمل.

إنه كتاب يكتب السياسة بلغة المعرفة، ويكتب التاريخ بروح المثقف، ويمنح القارئ فرصة نادرة للتجوال في فضاءات المغرب العربي بعين الباحث، وقلب العربي الذي يرى في تنوع الأوطان العربية وجها آخر لوحدتها العميقة .

المشـاهدات 26   تاريخ الإضافـة 07/06/2026   رقم المحتوى 71232
أضف تقييـم