السبت 2026/6/13 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 39.86 مئويـة
نيوز بار
الجمهور الواعي وخداع الذكاء الاصطناعي
الجمهور الواعي وخداع الذكاء الاصطناعي
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. حسين الانصاري
النـص :

 

 

 

لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ يجلس في الصفوف الأخيرة منتظرا ما يُقدم له من خطاب أو عرض أو فكرة، بل أصبح اليوم صانع الحدث ومحركه الأساسي، والقوة التي تمنح الأشياء حضورها أو تدفعها إلى التلاشي. فالجمهور هو الذي يحوّل الملاعب إلى فضاءات نابضة بالحياة عبر الهتافات والتشجيع، وهو الذي يمنح الفنان شرعية النجاح أو يضعه في دائرة النسيان، وهو ذاته الذي يشغل تفكير السياسيين، لاسيما في مواسم الانتخابات، حين يصبح صوته هو الفيصل في صناعة السلطة وتحديد المصائر، وكذلك في عالم التجارة والإعلانات، تتجه الأنظار كلها نحو الجمهور بوصفه الغاية الكبرى للسوق والاستهلاك، إذ تتنافس الشركات والعلامات التجارية على جذب انتباهه والتأثير في رغباته وميوله. كما أصبح الجمهور في مختلف المسابقات والبرامج والمنصات الرقمية هو الحكم الحقيقي الذي يحسم النتائج ويمنح القيمة، لأن صوته غالبا ما يكون الأعلى حضورا والأكثر تأثيرا في تشكيل الرأي .

وفي عالمنا المعاصر، الذي أصبحت فيه وسائل الاتصال أكثر سرعة وانتشارا وتأثيرا، لم يعد الوصول إلى الجمهور مهمة معقدة كما كان في السابق، بل غدت عملية الجذب والتأثير تقوم على تقنيات متطورة تعرف كيف تستثمر الصورة، والصوت، والإيقاع، والإثارة البصرية، وتدرك مكامن الإغراء النفسي والجمالي القادر على استقطاب الانتباه والسيطرة على الوعي. فأصبحت المسارح و الشاشات والهواتف الذكية والمنصات الرقمية فضاءات مفتوحة تتدفق عبرها آلاف الرسائل والخطابات والصور والعروض التي تتنافس جميعها على كسب الجمهور واحتلال مساحة في وعيه وذاكرته.

ولم تعد وسائل الإعلام الحديثة تكتفي بنقل المعلومات أو تقديم الترفيه، بل تحولت إلى أدوات ضخمة لصناعة التأثير، وتوجيه السلوك، وإعادة تشكيل القيم والتصورات. ومع تطور الذكاء الاصطناعي والخوارزميات الرقمية، باتت المنصات قادرة على تحليل اهتمامات الجمهور ورغباته، ثم تقديم محتوى مصمم خصيصا لجذبه وإبقائه في دائرة التفاعل المستمر. وهكذا أصبح الجمهور يعيش وسط تدفق هائل من الصور والأخبار والمقاطع والخطابات التي تمتزج فيها الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالتضليل، والوعي بالتوجيه الخفي.وفي خضم هذا الفيض المعلوماتي والتقني، تبرز قيمة الجمهور الواعي بوصفه أعلى مستويات التلقي وأكثرها نضجا. فهذا الجمهور لا يكتفي بالمشاهدة والانفعال السريع، بل يمتلك القدرة على قراءة الخطاب وتحليل شفراته وفهم دلالاته الخفية وما يحمله من أهداف وأبعاد فكرية أو سياسية أو تجارية. إنه الجمهور القادر على التمييز بين الحقيقة والتزييف، وبين الفن الهادف والاستعراض الفارغ، وبين المعرفة التي تبني الإنسان والخطاب الذي يسعى إلى تضليله أو استلاب وعيه

إن خطورة عصر الإعلام الرقمي لا تكمن فقط في كثافة المعلومات، بل في القدرة الهائلة على التلاعب بالوعي عبر التشويه والتمجيد والتحريض وصناعة الصور الذهنية الزائفة. فالكلمة اليوم يمكن أن ستخدم لبناء الإنسان أو لتحطيمه، والصورة يمكن أن تتحول إلى أداة إقناع أو وسيلة خداع، كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تطوير المعرفة والجمال، أو أن يتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الوهم وتوجيه الرأي العام وفق مصالح خفية.

ولهذا أصبح وجود جمهور واعٍ يمتلك القدرة على التحليل والتقييم ضرورة حضارية وثقافية وأخلاقية، لأن الوعي النقدي هو السلاح الحقيقي في مواجهة التضليل والاستلاب. فالجمهور الواعي لا يسمح بأن يكون مجرد رقم في معادلة الاستهلاك أو أداة في حملات التوجيه الإعلامي، بل يتحول إلى قوة فاعلة قادرة على مساءلة الخطاب وكشف تناقضاته ورفض ما يحاول تشويه الحقيقة أو تسطيح الوعي الإنساني.

إن الرهان الحقيقي في عصر الإعلام والمعلوماتية ليس على كثرة الجمهور فحسب، بل على نوعية هذا الجمهور ومدى امتلاكه للوعي والمعرفة والقدرة على التأويل النقدي. فالأمم لا تُقاس فقط بما تنتجه من وسائل وتقنيات، بل بما تمتلكه من جمهور قادر على الفهم والتمييز والمشاركة الواعية في صناعة الثقافة والابداع.

المشـاهدات 41   تاريخ الإضافـة 12/06/2026   رقم المحتوى 71281
أضف تقييـم