الأحد 2026/6/14 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 32.6 مئويـة
نيوز بار
مجتمعاتنا وظاهرة تعظيم الأشخاص وتقديسهم
مجتمعاتنا وظاهرة تعظيم الأشخاص وتقديسهم
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب أ. د. صدام العبيدي
النـص :

 

 

 

من أخطر الظواهر التي تواجه الناس قديماً وحديثاً هي ظاهرة المبالغة في تعظيم وتقديس الأشخاص، وهناك فرق بين التقدير الذي هو احترام الآخرين ومعرفة قدرهم، وهذا ما أمر النبي عليه الصلاة والسلام فقال: "ليس منا من لا يرحم صغيرها ولا يعرف لكبيرنا قدر". وجاء في الأثر: "أنزلوا الناس منازلهم" يعني أعرفوا لصاحب القدر والمكانة قدره ومكانته، من غير افراط ولا تفريط ولا مبالغة ولا تهويل، وهذا أمر محمود، أما أن ينقلب هذا التقدير إلى تعظيم وتقديس لهذا الشخص أو ذاك مهما كان عمله أو وظيفته أو مركزه فهذا أمر مذموم؛ فالعظمة لله وحده، أما الإنسان فهو مهما علا شأنه فهو بشر يصيب ويخطئ، هذا من جانب، ومن جانب أخر فإن للتعظيم والتقديس للآخرين ظلم للنفس وظلم للآخرين وقد وجد على مر العصور أن الذي يعظم الأشخاص ويبالغ في ذلك ويتبعهم من غير وعي أو يقلدهم تقليد أعمى بدافع الاعجاب أو التأثر بهم يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تكبرهم وغرورهم وطغيانهم، فالناس هم من يصنعون الطغاة، لهذا ذم الله في مواضع صُنَّاع الطغاة قبل ذم الطغاة نفسهم، قال تعالى ذاماً قوم فرعون: "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين". أي استخف بعقولهم لسذاجتهم، وقلة عقولهم، وخفة أحلامهم ومشيهم خلف الآخرين دون تأمل أو تفكير،  فكان أن وصفهم الله بأنهم فسقة خارجين عن طاعة الله، فمن يلغي عقله، وينعق خلف كل ناعق، وينبهر بكل ما يرى، ويخدع بكل ما يظهر أمامه، شخص تافه لا قيمة له، لم يعرف لنفسه قدرها، ورضي أن يكون تبعاً لغيره. خلال فترة انتخابات مجلس النواب الأخيرة ظهر مصطلح الركائز الانتخابية والتي كانت واجباتهم تتحدد في اقناع الناخبين بالتصويت لمرشح معين والثقيف له، وليس في ذلك ذم إن كان ذلك في حدود المعقول؛ لأن التثقيف الانتخابي لهذا المرشح أو ذاك والدعاية له حق كفله القانون، لكن أن يبالغ البعض من هؤلاء الركائز في تعظيم وتفخيم هذا المرشح أو ذلك السياسي فيتحول البعض من هؤلاء إلى أبواق لهذا أو ذاك، ويصل به الأمر في الدفاع عن صاحبه إلى حد الاستقتال فهذا هو المذموم مهما كان الدافع والمصلحة لذلك. وظاهرة التعظيم والتقديس للأشخاص والمبالغة في ذلك عُرِّف بها العراقيون منذ القدم، وخير شاهد على ذلك الأغاني والأشعار والأهازيج وعبارات المديح والثناء التي تؤلف وتغنى وتقال ويهوس بها لفلان وعلاته بحضوره وبغيابه، وللأسف أكثر العبارات والكلمات والنعوت التي تقال في حق هذا المعظم (والعظمة لله) هي ليست بحق ولا توجد فيه، بل إن المعظم نفسه يعرف أنه هذه الصفات والنعوت والخصال التي قيلت فيه غير موجودة!!، وإنما هي كلمات تقال وعبارات تطلق على غرار قول ذلك الشاعر الذي عظم أحد الملوك وبالغ في ذلك حتى أوصله إلى مرتبة الالوهية فقال:

 

ما شئت لا ما شاءت الأقدار           فأحكم فأنت الواحد القهار!!!

 

إن ظاهرة تعظيم وتقديس الأشخاص أيَّا كان عمله أو وظيفته أو مركزه رئيس، أو وزير ، أو قائد، أو مسؤول، أو سياسي، أو شيخ قبيلة، أو شيخ دين، أو رجل أعمال، أو رياضي، أو مطرب وغير ذلك، ظاهرة موجودة وبشكل كبير في مجتمعنا العراقي وقد لا توجد في المجتمعات الأخرى بهذا الشكل وبتلك الصورة، فالمبالغة في تعظيم هؤلاء أو بعضهم يجعلهم يغترون بأنفسهم ويتعاظمون ثم يتكبرون ويطغون، وقد ذم النبي عليه الصلاة والسلام المبالغة في التعظيم والمدح والثناء فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله". وعندما أتي برجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فكلمه، فجعل ترعد فرائصه (أي تفزع وترتجف، وهذا كناية عن شدة الخوف)، فقال: "هون عليك، فإني ليست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد". (أي اللحم المجفف في الشمس). وقال عليه الصلاة والسلام عندما سمع رجل يثني على رجل ويبالغ في مدحه والثناء عليه: "أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل". كما ورد عنه عليه الصلاة والسلام ما يفيد بزجر للذي يبالغ في التعظيم والمدح والثناء على الأخرين ليكف عن ذلك قائلاً: "إذا رأيتم المداحين فأحثوا في وجوههم التراب". إن تعظيم الأشخاص وتقديسهم والمبالغة في ذلك داء يعبر عن الجهل والسذاجة والسطحية والتخلف عند البعض، أو الانتهازية والمصلحية والنفعية عند البعض الآخر، فيعظم هذا ويقدس ذاك لأجل المصلحة والمنفعة، وكل من أصيب بهذا الداء فرضي أن يكون تابع ذليل لغيره فقد ألغى نفسه فلا شخصية لديه، ولا هوية واضحة تعبر عنه، ولا استقلالية له، حتى تحول كثير من هؤلاء إلى أداة بيد هذا أو ذاك، فصار يغضب ويدافع ويشتم ويسب ويطعن كل من ينتقد متبوعه ويدافع عنه أكثر مما يدافع المتبوع عن نفسه، هذه ظاهرة للأسف من الظواهر الاجتماعية المنتشرة وبكثرة في المجتمع، فينبغي على المختصين من علماء النفس والاجتماع وشيوخ الدين والاعلاميين التنبيه عليها والتحذير من أضرارها على الفرد والمجتمع.

 

المشـاهدات 19   تاريخ الإضافـة 14/06/2026   رقم المحتوى 71306
أضف تقييـم