الأربعاء 2026/6/17 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 42.73 مئويـة
نيوز بار
الصحافة العراقية .. الكلمة التي تعيد تشكيل الواقع
الصحافة العراقية .. الكلمة التي تعيد تشكيل الواقع
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب محمد الماس
النـص :

 

الصحافة لا تولد من ضجيج الخبر انما من صمت السؤال حين يتشقق تحت ضغط المعنى وحين يتحول الزمن الى ذاكرة تصبح الكلمة هي الشاهد الوحيد الذي لا يساوم على الحقيقة ولا يتلاشى ، فليس من الدقة ان يقال ان الصحافة تبدأ من الخبر لان الخبر في حقيقته لحظة عابرة سرعان ما يبتلعها الزمن بينما تبدأ الصحافة من السؤال ذلك الكائن القلق الذي يرفض الاكتفاء بما يظهر على سطح الاشياء ويصر على اقتفاء المعنى في طبقاته العميقة فمن هنا يمكن النظر الى الخامس عشر من حزيران لا بوصفه ذكرى تأسيس صحيفة او مناسبة مهنية تتكرر كل عام انما بوصفه تاريخا لولادة السؤال العراقي وهو يخرج من دائرة التلقي الى فضاء المساءلة ومن صمت المتفرج الى يقظة الشاهد فحين صدرت الزوراء عام 1869 لم تكن تضيف ورقا جديدا الى العالم انما كانت تضيف طريقة جديدة لرؤية العالم وتؤسس لعلاقة مختلفة بين الانسان وواقعه وبين المجتمع وصورته المنعكسة في مرآة الكلمة ، ولعل اعظم ما فعلته الصحافة عبر تاريخها انها نزعت عن الوقائع برودتها وحولتها الى قضايا وعن الاحداث صمتها وحولتها الى خطاب وعن الزمن عابريته وحولته الى ذاكرة فالامم لا تتذكر ما جرى لها بقدر ما تتذكر الكيفية التي روت بها ما جرى لها ولهذا كانت الصحافة في جوهرها كتابة ثانية للتاريخ لا تكتفي بتسجيل ما وقع انما تمنحه معنى وسياقا ، انها الحقل الذي تتصارع فيه الروايات من اجل البقاء والفضاء الذي يخضع فيه النفوذ لامتحان الحقيقة والسلطة لسؤال الشرعية والواقع لمشرط النقد لذا لم تكن الصحافة يوما ابنة الاطمئنان انما ابنة القلق النبيل ذلك القلق الذي يجعل العقل يفتش دائما عما هو ابعد من الظاهر وما هو اعمق من المألوف ، فحين تكون الصحافة حرة فانها لا تؤدي وظيفة اجتماعية فحسب لكنها تمارس فعلا فلسفيا بامتياز لانها تعيد ترتيب العلاقة بين القوة والمعرفة وبين المواطن والحقيقة وبين الحاضر ومصيره فانها لا تمنح المجتمع اجابات جاهزة لكنها تمنحه شجاعة البحث عن الاجابة ولا تملأ الفراغ بالكلمات انما تكشف الفراغ الذي تخفيه الكلمات ولهذا تخشى المجتمعات المغلقة الصحافة لا بسبب ما تقوله لكن بسبب ما توقظه في العقول من اسئلة وما تزرعه في الوعي من شك خلاق وما تفتحه من نوافذ على احتمالات اخرى للفهم والرؤية ، وفي العراق حيث مرت الاحداث بثقل الجبال وتعاقبت التحولات بسرعة الانهار اكتسبت الصحافة معناها الاكثر عمقا لانها لم تكن شاهدة على التاريخ فقط لكنها كانت في كثير من الاحيان واحدة من ضحاياه وواحدة من صانعيه في آن واحد فكم من صوت غاب وبقي اثره في سطر وكم من مرحلة انقضت وبقيت ملامحها محفوظة في مقال وكم من حقيقة حاول النسيان ابتلاعها فاستردتها الذاكرة من ارشيف صحيفة ، لم تعد الصحافة مجرد مهنة تكتب يومها ثم تنصرف انما غدت شكلا من اشكال مقاومة الفناء ومحاولة انسانية مستمرة لانقاذ المعنى من الضياع ، لهذا فان الاحتفاء بيوم الصحافة العراقية هو في جوهره احتفاء بانتصار المعنى على العدم وبقاء السؤال حيا في وجه الاجابات الجاهزة واستمرار الكلمة في اداء دورها بوصفها احدى اكثر القوى رهافة وتأثيرا في تشكيل الوعي الانساني فالحضارات لا تنهار حين تفتقر الى الموارد بقدر ما تنهار حين تفقد قدرتها على نقد ذاتها ولا تزدهر حين تكثر اصوات المديح بقدر ما تزدهر حين يبقى فيها متسع لصوت يسأل ويفكر ويختلف ، تلك هي الرسالة الابعد للصحافة وذلك هو السر الذي يجعل حروفها احيانا ابقى من الحجر واشد رسوخا من كثير مما يظنه الناس خالدا ، فاذا كان لكل امة ارشيفها الذي تحفظ فيه وقائعها فان الصحافة هي الارشيف الذي لا يكتفي بالحفظ لكنما يعيد بعث الحياة في ما يختزنه من ذكريات وتجارب وتحولات فانها ليست مستودعا للزمن بقدر ما هي مختبر دائم لفهم الزمن ذاته ولذلك تبدو الصحيفة في لحظة ما مجرد صفحات مطبوعة لكنها في حقيقتها طبقات متراكمة من الوعي الانساني ومن الاسئلة التي طرحتها الاجيال على نفسها وهي تحاول فهم مصيرها وموقعها في العالم فما بين خبر يعلن بداية مرحلة ومقال يرصد افول اخرى تتشكل الحكاية الكبرى للاوطان لا كما ارادت السلطة ان ترويها ولا كما حاول النسيان ان يطمسها انما كما التقطتها عين الكلمة وهي تراقب المشهد من مسافة تسمح لها بالرؤية ومن قرب يسمح لها بالاحساس ، ولعل المأساة الاكبر التي يمكن ان تصيب مجتمعا ما ليست في ندرة الحقائق انما في وفرتها المشوشة حين تصبح الحقيقة غارقة في طوفان من الاصوات المتنافرة والادعاءات المتصارعة فمن هنا تتجلى المهمة الوجودية للصحافة بوصفها فنا للتمييز قبل ان تكون فنا للكتابة وقدرة على الانصات لما يقوله الواقع فعلا لا لما يرغب الاخرون في قوله عنه ، فالصحفي الحقيقي لا يطارد الضجيج انما يبحث عما يختبئ خلفه ولا ينشغل ببريق الوقائع بقدر انشغاله بجذورها الخفية ومساراتها العميقة لذا  كانت الصحافة في ارقى تجلياتها شكلا من اشكال الحكمة العملية التي تحاول ان تمنح المجتمع بصيرة اضافية يرى بها ما يتجاوز حدود النظر العادي ، ففي هذا المعنى تصبح الكلمة مسؤولية تتجاوز حدود اللغة نفسها لان الكلمات لا تكتسب قيمتها من جمال صياغتها فقط انما من قدرتها على حمل الحقيقة من دون ان تنكسر تحت ثقلها فكم من عبارة بليغة عبرت الزمن من دون اثر وكم من جملة بسيطة بقيت حية لانها كتبت بصدق نادر فان جوهر الصحافة لا يكمن في البلاغة وحدها انما في ذلك التوازن الصعب بين الجمال والصدق وبين الشجاعة والحكمة وبين الحرية والمسؤولية فانها محاولة دائمة للقبض على لحظة هاربة من الزمن ومنحها شكلا يمكن للذاكرة ان تحتفظ به وللتاريخ ان يعود اليه ، فعندما ننظر الى المسافة الممتدة بين صدور الزوراء في القرن التاسع عشر وبين الصحافة العراقية اليوم فاننا لا نرى مجرد تعاقب سنوات او تغير وسائل وتقنيات ونرى رحلة طويلة خاضها الوعي العراقي وهو يبحث عن صوته الخاص وسط تحولات هائلة وعواصف متلاحقة رحلة اثبتت ان الكلمة ليست ترفا ثقافيا يزدهر في اوقات الرخاء ثم يتوارى عند الشدائد بقدرما هي حاجة انسانية عميقة تشبه حاجة الروح الى المعنى وحاجة المجتمع الى مرآة يرى فيها صورته الحقيقية من دون زيف او رتوش ، فسيبقى يوم الصحافة العراقية مناسبة تتجاوز حدود الاحتفاء بمهنة او مؤسسة لتلامس فكرة اكثر اتساعا وعمقا هي فكرة ان الانسان لا يصبح اكثر حرية حين يمتلك القدرة على الكلام فقط لكن حين يمتلك القدرة على قول الحقيقة وان الاوطان لا تصنع مجدها بما تملكه من قوة مادية وحدها انما بما تملكه من شجاعة اخلاقية تسمح للكلمة ان تؤدي رسالتها كاملة لذلك ستظل الصحافة ما بقيت الحاجة الى المعنى وما بقي في هذا العالم من يؤمن بان الحقيقة ليست ترفا فكريا انما شرطا من شروط الكرامة الانسانية وان الحرف حين يخلص لرسالته يتحول من مجرد اثر للحبر على الورق الى اثر لا يمحى في ضمير التاريخ .

 

المشـاهدات 55   تاريخ الإضافـة 17/06/2026   رقم المحتوى 71436
أضف تقييـم