الأربعاء 2026/6/17 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 41.6 مئويـة
نيوز بار
جدلية الفناء والحقيقة: مقاربة ذرائعية في نص "عناق الطين" للشاعرة العراقية ضحى الجاسم
جدلية الفناء والحقيقة: مقاربة ذرائعية في نص "عناق الطين" للشاعرة العراقية ضحى الجاسم
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

هيثم محسن الجاسم

 

النص "عناق الطين "منشور في موقع: نخيل عراقي/2026-06-05

 

 يا لهول المسافة

بين صرخة تشق المدى

وصمت يترسب في قاع التراب

كل هذا الزحام في دمي

كل الحروب التي خضتها مع نفسي

ستنتهي في ضيافة اللاشيء

حيث الأرض تنغلق على سرها

وتفيض الوحدة

كنهر كفيف..

هناك

في الحفرة التي لا باب لها

يغسل الظلام بقايا الضجيج

فلا عدو يترصد خطاك

ولا حلم يوقظك بالخديعة..

نهاية الصراع

ليست نصراً

بل هي عناق بارد مع الطين

حيث يكتشف الراكض أخيراً

ان الميدان كان خيالاً

وان الحفرة

هي الحقيقة الوحيدة الصادقة."

مقدمة

ينتمي نص "عناق الطين" إلى الشعر التأملي الوجودي الذي يتخذ من الموت والفناء نافذة للكشف عن حقيقة الإنسان وصراعه الداخلي. ومن منظور النقد الذرائعي، لا يُقرأ النص بوصفه بناءً لغوياً فحسب، بل بوصفه منظومة دلالية ووظيفية تسعى إلى إنتاج أثر فكري ونفسي وجمالي لدى المتلقي. فالشاعرة تنقل القارئ من ضجيج الحياة وصراعاتها إلى فضاء الحقيقة النهائية التي تتجسد في صورة الطين بوصفه الأصل والمصير.

أولاً: البؤرة الفكرية:(المرجعية الذرائعية)

يقوم النص على ثنائية مركزية: الصراع/السكون،  تبدأ الشاعرة بمشهد صاخب: "صرخة تشق المدى"،  تنتهي إلى سكون مطلق في "الحفرة التي لا باب لها".

تتمحور الرسالة الفكرية حول عبثية الصراعات الإنسانية حين توضع في مواجهة المصير المحتوم؛ والنهاية ليست انتصاراً لأحد، بل عودة إلى الأصل الترابي حيث تتساوى الذوات وتذوب الأوهام.

هذا الطرح منح النص وظيفة معرفية وتأملية تدفع المتلقي إلى إعادة النظر في مفهوم النصر والهزيمة والحقيقة.

ثانياً: البنية النفسية العميقة:

يتجلى البعد النفسي في قولها:

"كل الحروب التي خضتها مع نفسي"

الصراع داخلي قبل أن يكون خارجياً، ما يمنح النص بعداً إنسانياً عاماً. وقد نجحت الشاعرة في تحويل التجربة الذاتية إلى تجربة جمعية يمكن للقارئ أن يتماهى معها. ومن منظور ذرائعي،تحقق هذه الخاصية مبدأالتواصل الوجداني بين النص والمتلقي.

ثالثاً: جماليات الصورة الشعرية:

اعتمدت الشاعرة صوراً مبتكرة وعميقة الدلالة، منها:

"الوحدة كنهر كفيف": تشبيه أضفى على الوحدة حركةً وانسياباً مع فقدان البصيرة، فجمع بين التناقض والحيوية.

"يغسل الظلام بقايا الضجيج": صورة تجسيدية تجعل الظلام فاعلاً قادراً على التطهير والمحو.

"عناق بارد مع الطين": استعارة مكثفة للموت، تتجاوز المباشرة إلى الإيحاء الهادئ والعميق.

"الميدان كان خيالاً": تفكيك رمزي لفكرة الصراع البشري وإعادة تأويلها بوصفها وهماً عابراً.

هذه الصور لم تأتِ للزينة البلاغية، بل أدت وظيفة دلالية متماسكة تخدم الفكرة المركزية للنص.

رابعاً: التقنيات الفنية:

1. تقنية التضاد

برز التضاد بين:

الصرخة / الصمت.

الزحام / الوحدة.

الحروب / السكون.

الحلم / الحقيقة.

وقد أسهم هذا التضاد في تعميق التوتر الشعري وإبراز التحول الدرامي للنص.

2. تقنية التدرج الدلالي

يتحرك النص تدريجياً من:

الضجيج الخارجي إلى الصراع النفسي ثم إلى العزلة،الموت،وأخيراً إلى كشف الحقيقة.

وهذا التدرج منح النص وحدة عضوية متماسكة.

3. الاقتصاد اللغوي:

جاءت اللغة مكثفة وخالية من الترهل، حيث تحمل كل عبارة شحنة دلالية عالية، وهو من السمات التي تعزز القيمة الفنية للنص في المنهج الذرائعي.

 

خامساً: المستوى الجمالي والإيقاعي:

اعتمد النص شعر التفعيلة الحرة أو قصيدة النثر ذات الإيقاع الداخلي، فالإيقاع لا يتولد من الوزن التقليدي بقدر ما يتولد من:

التكرار: كل هذا... كل الحروب...

الجمل القصيرة المتتابعة.

الوقفات التأملية المتعمدة.

وقد أسهم ذلك في خلق نبرة جنائزية هادئة تتناسب مع الموضوع.

 

وفق الرؤية الذرائعية، نخلص الى ان  الشاعرة ضحى الجاسم  نجحت في بناء نص ذي وظيفة فكرية وجمالية متكاملة، إذ حولت سؤال الموت من حدث بيولوجي إلى لحظة كشف فلسفي. كما استطاعت عبر صور مبتكرة ورموز عميقة أن تجعل من الطين علامة للحقيقة الأخيرة التي تتعرى أمامها الأوهام والصراعات. لذلك يُعد "عناق الطين" نصاً وجودياً مؤثراً يجمع بين كثافة الدلالة وجمال التشكيل الشعري، ويحقق أثراً معرفياً ونفسياً وجمالياً متوازناً لدى المتلقي.

المشـاهدات 51   تاريخ الإضافـة 17/06/2026   رقم المحتوى 71443
أضف تقييـم