(قلادة الأخطاء) للشاعر منذر عبد الحر برؤية "المدرسة التصويريّة" و"جمالية التعبير"![]() |
| (قلادة الأخطاء) للشاعر منذر عبد الحر برؤية "المدرسة التصويريّة" و"جمالية التعبير" |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص : ناصر أبو عون أولا – قصيدة (قلادة الأخطاء): [أرمم الفضيحة/ وألبسها قلادة أخطائي/ وآخذها من يدها/ لنحرث جسد المدينة ..../ تزحف الخياناتُ نحو أثداء الليل/ والضوء العانس/ يدعو القطط لاحتفاله/ يتناسل الجوع والبرد في الشاعر/ فيقضم قصيدتين/ ويتدثّر بموسيقاه/"في المدينة"/ تتقاطع الحشود / والعربات تأكل بعضها / بائعو الأجراس يربحون رنينهم/ والمومسات يجمعن الأسئلة / للإطاحة بالدهشة/ المتسولون يقدمون شهاداتهم للحاسدين/ والعشّاق... يخافون على الأحذية من الحدائق/ المسارح تغادر قاعاتها/ الطيور تدّخر سماواتها/ والشعراء لا يخافون على كنوزهم - من اليقظة - "في المدينة" /اليتامى شعاع / والطبول لها أعناق ووجوه من ليمون/ الاختناق يبث الفتن ويختمها بالجنون "في المدينة"/ التفاصيل ترتدي الدخان/ من أجل لوحة تفي بالغرض/ وفي الحرب / تغادر المدينة نفسها/ والفراغ يؤثث أشباحه / والنار / تجمع الفقراء / وتلصقهم على الأشجار /وتنسج دمية بفخذين عاهرين/"أيتها المدينة" /خذي جمر أعمارنا / وانحتي من الرثاء مساءك المألوف /إننا أجلسنا القدر بأحضاننا / أيتها الحرب / لم يعد الجدار الزجاجيّ مرفأ إصغائنا/ أنتِ وراءنا/ فينا/ أمامنا / فوقنا / تحتنا/ أنت ...نحن / فهلاّ انتحرتِ!] ثانيا – التحليل النقدي إذا ما نظرنا إلى قصيدة (قلادة الأخطاء) للشاعر منذر عبدالحر من زوايتين نقديتين: النظرة الأولى من حيث (جمالية التعبير) عند بينيديتو كروتشه سنكتشف أنّ اللغة صارت فعلا إبداعيا ديناميكيا تشتغل بفاعلية على تجسيد الوجدان؛ وذلك لأن الشاعر لايُصوِّر الواقع المعاش كصورة كربونية، بل يعيد بناء الواقع على مداميك انفعاله الداخلي. وعلى المقلب الآخر من وجهة نظر (المدرسة التصويرية) نجد الشاعر يقدم للمتلقي بانوراما بصرية مكونة من سلسلة مشاهد متحركة وصور نابضة بالحياة تزاوج بين السوريالي تارةً والرمزي تارةً أخرى فضلا عن الصور التشخيصية المكثفة والمولّدة، والتي تُصوِّر لنا مدينة الشاعر التي تقوَّضت دعائمها من الدخل بمعاول الخيانة والاغتراب والحرب والإرهاب. وبناءً عليه سنكتشف كيف تعاون (جمالية التعبير) مع (البنية التصويرية) في استدراج المتلقي إلى محراب القصيدة ليعيش تجربة جمالية ووجودية حيّة في طقس واحد. ولأن الشاعر منذر عبدالحر نحَّى السرد جانبًا، وارتكز في بناء قصيدته على طاقات مُشعّة منبعثة من الصور الشعرية، ووظّف لغة الخطاب الشعري؛ لتصير فضاءً يدور في فلكه (الحدس والانفعال)؛ مما يحدو بنا الاشتغال على قراءتها في خطين نقديين موازيين؛ الأول: وفق (جمالية بينيديتو كروتشه)، والثاني وِفْق (المدرسة التصويرية). القصيدة وِفْقَ (المدرسة التصويريّة): في قصيدة (قلادة الأخطاء) للشاعر العراقي منذر عدالحر تتابع المشاهد التصويرية -ولو شئنا الدقة- لقلنا: تتناسل اللوحات التعبيرية داخل القصيدة وتتوالد الصور بعضها من بعض وكأنها بانوراما بصريّة مدهشة، حيث الصورة الشعرية هي أساس بنية القصيدة، والتي تتشكّل من لوحة فنية كبرى، وصارت صورة كلية واحدة تحت عنوان عريض:(مدينة تتآكل داخليًّا وتتهشّم بمعاول الخيانة وتسقط تحت هدير المدافع)، ومن هذه الصورة الكبرى، تتناسل سلسلة من الصور الجزئية، وترتكز القصيدة في معمارها على (الصورة الحركية/ البيان الحاكي)، وترصد حركة الخراب المتنامي، الذي يُحوّل العمران إلى يباب، والخضار إلى جفاف وتشققات وتصدعات. ومن نماذج هذه الصور، قول الشاعر (تزحف الخيانات/ تتقاطع الحشود/ تغادر المسارح قاعاتها/ تجمع النار الفقراء/ تلصقهم على الأشجار). لكن من الملفت للنظر أنّ الصور التشخيصية الاستعارية، كان دورها إحالة الجمادات والمجردات إلى شخوص نابضة بالحياة، وإن عملية التحوّل هذه كانت في أعلى مستوياتها الجمالية (فالمدينة صارت إنسانا، والحرب أضحت كائنا حيا، والنار أصبحت خياطة، والفرغ مهندس ديكور يؤثث أشباحه، بل تحوّل إلى شخص يؤثث الأمكنة)؛ لكن لوحظ أن سائر الصور الشعرية داخل متن القصيدة سوريالية بامتياز فمنها؛ الصورة غير الواقعية ذات المنطق الحُلْمّي، كما في قوله: (الطبول لها أعناق ووجوه من ليمون)، و(العربات تأكل بعضها) تحولت الجمادات فيها إلى وحوش مفترسة، وتحوّل (الضوء العانس) إلى امرأة بائرة إشارة إلى السمة الاجتماعية الشهيرة. فضلا عن رزنامة من الصورة الرمزية التي تزخر بها سطور القصيدة؛ فـصورة (العشاق يخافون على الأحذية من الحدائق) كانت دالة على انقلاب العلاقة الطبيعية إلى علاقة شاذة، فأصبح الخوف على (الأحذية) برمزيتها إلى (النجاة، الرحيل، البقاء) وهي كوسيلة هروب صارت أكبر من الخوف على (الحدائق) موطن الجمال، والتي ترمز إلى (البراءة، الحياة). والمدينة ترمز إلى (الوطن، الحضارة، الإنسان)، والحرب ليست معركة ، بل حالة وجودية. ثم يوظف منذر عبدالحر استراتيجية (التراسل الحسيّ) عبر عملية دينامية يضفّر فيها الحواس مع الصورة الشعرية، مثل قوله: (بائعو الأجراس يربحون رنينهم)؛ فـ(الرنين)، والذي يمثل صورة (سمعية) تحوَّل إلى ربح (اقتصادي)، وكذلك الصورة الشعرية (يتدثر بموسيقاه) أصبحت فيها الموسيقى رداءً. وفي ملمح آخر كان آكثر ظهورا في القصيدة، تبدّت لنا الصورة الشعرية القائمة على استراتيجية المفارقة والمتضادات الثنائية مثل، قوله: (اليتامي شعاع)؛ فاليتامى هنا رمز للفقد، والشعاع رمز للأمل، و(الشعراء لا يخافون على كنوزهم من اليقظة)؛ فالكنز الذي عادة يُخشى عليه من السرقة، كان في مأمن، بينما (اليقظة) هي الخطر ذاته. وعلى منحى آخر والمتمثِّل في الصورة الشعرية الختامية نكتشف في ختام القصيدة قمة التكثيف حيث تحولت فيها الحرب من حدث خارجيٍّ إلى هُوِيّة داخليّة، والحرب لم تعد تحيط بالإنسان، بل أصبحت هي الإنسان ذاته. في قول منذر عبدالحر(أنتِ/ وراءنا/ فينا/ أمامنا/ تحتنا/ أنت نحن)، ثم تأتي المفارقة النهائية:(فهلّا انتحرتِ!)؛ فصورة انتحار الحرب هي المعادل الموضوعي لانتحار الإنسان، الذي صار جزءًا منها، فغدت النهاية مفتوحة على سؤال وجوديّ عميق. أمّا على صعيد (جمالية التعبير) يمكننا اكتشاف العديد من الملاحظات، فإذا ما قرأنا مثلا قول منذر عبد الحر: (أرمم الفضيحة وألبسها قلادة أخطائي) سنكتشف هنا: كيف استطاع شاعرنا تحويل (الحدس الشعري) إلى أداة صيّرت المستحيل ممكنًا فـ(الفضيحة لا تُرمَّم، ولا الأخطاء تتحول إلى قلادة)؛ لأن قصد الشاعر ليس الحقيقة الواقعية، بل الحقيقة الشعورية. وهذا التحوّل يتفق مع رؤية (بينيديتو كروتشه)، الذي يرى أن قوة الصورة تنبع من قدرتها على تجسيد الانفعالات، ولا تقاس قوتها بمقدار صدقها الخارجيّ. ومن ناحية أخرى نجد (الوحدة الشعورية/ الإحساس) العمود الفقري للوحدة العضوية الذي ترتكز عليه القصيدة، وهذا التصوّر يتفق مع وجهة نظر (كروتشه)، الذي يرى وحدة الإحساس لا وحدة الأحداث مرتكز القصيدة، لذا إذا أمعنا التأمل في تكرار شبه الجملة (في المدينة) داخل متن القصيدة سنجدها بؤرة شعورية متوهِّجة ومركزية واحدة وذات جاذبية تدور في فلكها سائر الصور الشعرية العضوية، وترمز إلى (فقدان البراءة، وعبثية الحرب، والانهيار الحضاري، والخراب الوجودي). ويبدو جليًا لنا أنّ منذر عبدالحر كان يغَّلب (الحدس) في هذه القصيدة على (العقل)؛ فلا يقدم للمتلقي أفكارًا عقلانية قائمة على المنطق، بل يدفع بكمية متتالية من الصور الشعرية القائمة على (الحدس)؛ كما في قوله: (تزحف الخيانات نحو أثداء الليل)؛ فالحدس الشعري في هذه الصورة يرى (الليل) (أمًّا) تُرضع الخيانة؛ وهذه ليست فكرة عقلية، بل انفعال تجسَّدَ في صورة شعرية متعالية. وفي الأخير يمكننا القول: أننا اكتشفنا مع منذر عبد الحر أنّ اللغة لم تكن وسيلة، وليس بمقدورنا فصل الفكرة عن اللغة الشعرية، وهذا ما أكده (كروتشه)، الذي يرى التعبير هو العمل الفني ذاته، فلو قال الشاعر:(انتشرت الخيانة في الليل) لفقدت الجملة الشعرية قيمتها الجمالية. أما قوله: (تزحف الخيانات نحو أثداء الليل) فقد أبدع عالمًا شعريًا جديدًا. ومن ناحية أخرى أكد على أن الشعر كشفٌ وجدانيٌّ بحت، وليس وَعْظًا ولا شَرْحًا ولا خِطابا فكريَّا يرتكز على المباشرة، بل عمل إبداعي شعوريّ يُدخِل المتلقي معه في أتون التجربة لينصهر بها. |
| المشـاهدات 390 تاريخ الإضافـة 20/06/2026 رقم المحتوى 71518 |
أخبار مشـابهة![]() |
جائزة البردة تضيف فئات الشعر الحر، والخط المعاصر، وتصميم الخط العربي التايبوغرافي، والزخرفة المعاصرة |
![]() |
جدلية الفناء والحقيقة: مقاربة ذرائعية في نص "عناق الطين" للشاعرة العراقية ضحى الجاسم |
![]() |
جدلية الفناء والحقيقة: مقاربة ذرائعية في نص "عناق الطين" للشاعرة العراقية ضحى الجاسم |
![]() |
لأول مرة.. تشغيل مشروع الأسلاك الحرارية على خط الرميلة – الناصرية 400 ك.ف بنجاح
وزير الطاقة الإيراني: الشبكة الكهربائية عادت الى العراق بمساعدتنا |
![]() |
الإعلام والاتصالات تصدر ضوابط الخطاب الإعلامي في شهر محرم الحرام
|
توقيـت بغداد









