الأحد 2026/6/21 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 43.18 مئويـة
نيوز بار
ابيض / اسود " خطوط الزمن".. فلسفة مهنة !!
ابيض / اسود " خطوط الزمن".. فلسفة مهنة !!
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب مازن صاحب
النـص :

ما بين سطور ذاتية وتحليل فلسفة الإعلام والاتصال، ثمة سيرة للوعي والحقيقة، هكذا ظهرت لي قراءة كتاب "خطوط الزمن" للأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي، قد يبدو للوهلة الأولى عملا ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية، غير أن القراءة المتكررة لسطوره تكشف أنه يتجاوز حدود التوثيق الشخصي ليصبح مشروعا فكريا وإعلاميا متكاملا يختزل تجربة أكاديمي وصحفي عراقي عاش التحولات الكبرى التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة.

لا تكمن القيمة الحقيقية للكتاب في استعراض الوقائع أو الذكريات، وإنما في تحويل التجربة المهنية والإنسانية إلى مادة للتأمل الفلسفي والنقد الإعلامي، لذلك يمكن قراءة "خطوط الزمن" بوصفه نصا يؤسس لفلسفة خاصة في الإعلام والاتصال، تنطلق من الإنسان وتعود إليه، وتجعل من الكلمة أداة للمعرفة والتحرير ومقاومة النسيان.

جعلتني هذه القراءة أستحضر محطات من عملي الصحفي عبر استذكارات مقارنة بين محلة "الفضل" التي حملها الكتاب في فصله الأول، وبين "الشواكة"، محلة ولادتي، وما حملته من ذكريات وتفاصيل لا تزال حاضرة في الوجدان، وعلى خطوط زمن هذا الكتاب توقفت عند العبارة اللافتة "الزوجة وطن"، وكيف استوعب المؤلف السلوك الثقافي لمناطق مختلفة من العراق، بحكم عمل والده ناظرا لمحطة السكك الحديدية، الأمر الذي نقل إليه هذا القدر من الشغف بعراق واحد، وطن للجميع.

هكذا يقدم البياتي رؤية مغايرة للمفهوم التقليدي ، فالإعلام في هذا الكتاب لا يظهر كمهنة أو وظيفة ، بل التزاما أخلاقيا تجاه الحقيقة والمجتمع، فالصحفي ليس مجرد ناقل للأخبار، وإنما شاهد على عصره ومسؤول عن حفظ الذاكرة الجمعية من التشويه والتزييف.

وربما يمكن اعتبار العلاقة بين التعليم الجامعي والعمل الصحفي من أبرز المحاور الفكرية في الكتاب، حيث عاش المؤلف تجربتين متلازمتين: الأولى صحفيا ميدانيا عايش الأحداث والوقائع بصورة مباشرة، والثانية أستاذا جامعيا في مجال الإعلام والاتصال.

وأنتجت هذه الثنائية ما يمكن تسميته بـ"الإعلام المعرفي"، حيث لا ينفصل التنظير الأكاديمي عن الممارسة المهنية، فالجامعة تمنح أدوات التحليل العلمي، بينما تمنح الصحافة القدرة على فهم الواقع الحي. وفي هذا السياق لا ينظر المؤلف إلى الإعلام بوصفه نشاطا مهنيا منفصلا عن المعرفة، بل يراه امتدادا لها، فالحقيقة الإعلامية لا تتولد من الحدث وحده، وإنما من القدرة على تفسيره وربطه بسياقه السياسي والاجتماعي والثقافي.

محاولة فهم إن هذه الجدلية بين "الحبر" و"الطباشير" تمثل أحد أهم مرتكزات فلسفة الاتصال في الكتاب، حيث تتكامل المعرفة الأكاديمية مع الخبرة الميدانية في إنتاج وعي إعلامي أكثر نضجا وعمقا.

لذلك يرفض الكتاب بصورة واضحة اختزال الإعلام في صناعة الأخبار، فالخبر، في نظر المؤلف، ليس غاية بحد ذاته، وإنما وسيلة لفهم الواقع. ولذلك يركز النص على الوظيفة التنويرية للإعلام أكثر من تركيزه على الوظيفة الإخبارية.

وفق هذه الرؤية، فإن الإعلام الحقيقي هو الذي يساعد المجتمع على إدراك ما يجري حوله، ويكشف العلاقات الخفية بين الأحداث، ويفسر السياقات التي تنتج الوقائع السياسية والاجتماعية.

على خط مواز من "خطوط الزمن"، يشكل نقد الإعلام الدعائي أحد أكثر المحاور حضورا في الكتاب، إذ عاش المؤلف مراحل متعددة من التاريخ العراقي والعربي اتسمت بسيطرة الخطابات التعبوية والأيديولوجية، الأمر الذي منحه خبرة مباشرة في فهم آليات صناعة الوهم السياسي.

وكشفت له التجارب كيف يمكن للسلطة أن تستخدم اللغة والإعلام لإنتاج صور ذهنية بديلة عن الواقع، كيف تتحول مفاهيم مثل الوطنية أو البطولة أو الانتصار إلى أدوات دعائية تخفي الحقائق المؤلمة. فالخطاب الإعلامي الموجه لا يقدم الحقيقة كما هي، إنما يعيد تشكيلها بما يخدم مصالح القوى السياسية المهيمنة. ومن هنا تنشأ المهمة الأساسية للصحفي الحر، وهي تفكيك الأقنعة اللغوية وكشف التناقض بين الخطاب والواقع.

من جانب آخر، تكشف تنقلات "خطوط الزمن" عن تصور عميق لدور الصحفي بوصفه حارسا للذاكرة الوطنية، فالكتابة الصحفية ليست مجرد تعليق على الأحداث اليومية، وإنما عملية توثيق مستمرة للتاريخ الاجتماعي والسياسي. وفي بلد عاش الحروب والانقلابات والاحتلالات والتحولات العاصفة، تصبح مهمة التوثيق جزءا من معركة الحفاظ على الحقيقة. ولذلك ينظر البياتي إلى المقالة والصحيفة بوصفهما سجلا للذاكرة الجمعية، وإلى الصحفي بوصفه شاهدا مسؤولا عن نقل الوقائع إلى الأجيال اللاحقة.

كما يقدم الكتاب رؤية تحليلية مهمة للاتصال من خلال حديثه عن المقاهي الثقافية البغدادية مثل الشابندر والبرلمان والبرازيلية. فهذه الأماكن لا تظهر بوصفها فضاءات للترفيه فقط، بل كمؤسسات اجتماعية غير رسمية لإنتاج المعرفة وتداول الأفكار وصناعة الرأي العام.

ومن القضايا الجوهرية التي يعالجها الكتاب العلاقة بين الإعلام والوطنية. فالوطنية، في منظور المؤلف، ليست ترديد الشعارات أو الانحياز الأعمى للسلطة، وإنما الدفاع عن الإنسان والحقيقة والعراق، ويظهر الإعلام هنا بوصفه أحد أهم أدوات حماية الهوية الوطنية من التشويه والتفكيك. فالصحافة الحقيقية لا تخدم الحكومات أو الأحزاب بقدر ما تخدم المجتمع، وتسعى إلى تعزيز الوعي بالمصالح الوطنية العليا بعيدا عن الانقسامات الطائفية أو الحزبية أو الأيديولوجية.

كذلك لا يتوقف الكتاب عند نقد الإعلام التقليدي، بل يمتد إلى تحليل التحولات الرقمية المعاصرة، ويعبر الكاتب عن قلقه من "عالم الاتصال الجديد" الذي أنتجته التقنيات الحديثة، ويرى أن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة. فقد ساهمت المنصات الرقمية في تسريع تداول الأخبار، لكنها في الوقت نفسه أضعفت الكثير من الروابط الإنسانية المباشرة، وأنتجت أنماطا جديدة من العزلة والاغتراب. ومن هنا يدعو المؤلف إلى استعادة البعد الإنساني للاتصال، وإلى الحفاظ على القيم التي تجعل من الإعلام وسيلة للتقارب الإنساني لا مجرد أداة تقنية لتبادل الرسائل.

وتتبلور الرؤية الإعلامية للكتاب في ما يمكن تسميته "فلسفة حبر القلب". فالاتصال الحقيقي لا يتحقق من خلال التكنولوجيا وحدها، ولا من خلال المهارة المهنية المجردة، بل من خلال الصدق الإنساني والالتزام الأخلاقي.

وفق هذا التصور، فإن الرسالة الإعلامية الناجحة ليست تلك التي تحقق أعلى نسب مشاهدة أو انتشار، وإنما تلك التي تنجح في إيصال المعنى الحقيقي للناس، وتسهم في بناء الوعي وتعزيز القيم الإنسانية. ولهذا يؤكد الكتاب أن الكلمة الصادقة تبقى أكثر تأثيرا من الضجيج الإعلامي العابر، وأن الحقيقة قادرة على البقاء حتى في أكثر البيئات السياسية والاجتماعية تعقيدا.

كلما تقدم، يجعل من الممكن النظر إلى كتاب "خطوط الزمن" بوصفه سيرة إعلامية وفكرية لمؤلفه، وعلى ذات الخطوط يقدم رؤية فلسفية متكاملة للإعلام والاتصال تقوم على أن الكلمة مسؤولية أخلاقية، وأن الصحافة فعل معرفة، وأن الإعلام الحقيقي هو الذي يصنع الوعي لا الضجيج.... ويبقى من  القول لله في خلقه شؤون !!

المشـاهدات 271   تاريخ الإضافـة 21/06/2026   رقم المحتوى 71535
أضف تقييـم