قراءة نقدية في رواية…
“نَدِيم الأَحْجَار”![]() |
| قراءة نقدية في رواية… “نَدِيم الأَحْجَار” |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
صَلَاح العُمْرَان لا تَبْدُو رِوَايَة “نَدِيم الأَحْجَار” لِعَبْد الحَلِيم مَهْوَدَر (2024) مُجَرَّدَ سَرْدٍ لِتَجْرِبَةِ اعْتِقَال، بَلْ نَصٌّ يَشْتَغِلُ عَلَى فَضْحِ بِنْيَةِ القَمْعِ بِوَصْفِهَا نِظَاماً مُتَكَامِلاً يُعِيدُ إِنْتَاجَ نَفْسِهِ فِي الجَسَدِ وَالوَعْيِ مَعاً. وَمِنْ هُنَا، يُمْكِنُ قِرَاءَتُهَا ضِمْنَ أُفُقَيْنِ مُتَدَاخِلَيْنِ: أُفُقِ البِنْيَةِ، وَأُفُقِ الانْفِعَال. تَنْطَلِقُ الرِّوَايَةُ مِنْ رَفْضِ الانْتِمَاءِ إِلَى حِزْبِ السُّلْطَةِ، لِتَقُودَ إِلَى عَالَمٍ مُغْلَقٍ تُصْنَعُ فِيهِ “الحَقِيقَة” دَاخِلَ غُرَفِ التَّحْقِيق. هُنَا، لَا يَعُودُ السِّجْنُ مُجَرَّدَ أَدَاةِ عِقَابٍ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى جِهَازٍ لِإِنْتَاجِ الطَّاعَة؛ حَيْثُ تُفَبَّرَكُ التُّهَمُ، وَتُكْتَبُ الاِعْتِرَافَاتُ مُسَبَّقاً، وَيُعَادُ تَشْكِيلُ الفَرْدِ بِمَا يَخْدُمُ اسْتِمْرَارَ الهَيْمَنَة. القَمْعُ، فِي هَذَا السِّيَاقِ، لَيْسَ انْحِرَافاً، بَلْ وَظِيفَة. غَيْرَ أَنَّ مَا يَمْنَحُ هَذَا القَمْعَ فَاعِلِيَّتَهُ هُوَ اشْتِغَالُهُ عَلَى الانْفِعَالَاتِ، وَعَلَى رَأْسِهَا الخَوْف. فَالْمُعْتَقَلُ لَا يَنْهَارُ لأَنَّهُ ضَعِيفٌ أَخْلَاقِيّاً، بَلْ لأَنَّهُ خَاضِعٌ لِضَرُورَةٍ قَهْرِيَّةٍ تَسْلُبُهُ قُدْرَتَهُ عَلَى الفِعْل. الاِعْتِرَافُ، فِي هَذِهِ الحَالَةِ، لَيْسَ قَوْلاً لِلحَقِيقَة، بَلِ اسْتِجَابَةً جَسَدِيَّةً لِلأَلَم. وَهُنَا تَتَجَسَّدُ العُبُودِيَّةُ بِوَصْفِهَا حَالَةً دَاخِلِيَّة، لَا مُجَرَّدَ قَيْدٍ خَارِجِيّ. تُلَمِّحُ الرِّوَايَةُ بِذَكَاءٍ إِلَى أَنَّ الجَلَّادَ نَفْسَهُ لَيْسَ حُرّاً؛ إِنَّهُ جُزْءٌ مِنْ آلَة، يَخَافُ بِدَوْرِهِ، وَيُطِيعُ كَيْ يَسْتَمِرّ. بِهَذَا المَعْنَى، يَلْتَقِي الظَّالِمُ وَالمَظْلُومُ دَاخِلَ بِنْيَةٍ وَاحِدَة، حَيْثُ يُعَادُ إِنْتَاجُ القَمْعِ عَبْرَ الجَمِيع، لَا عَبْرَ السُّلْطَةِ وَحْدَهَا. غَيْرَ أَنَّ النَّصَّ، عَلَى مُسْتَوَى البِنَاء، لَا يَخْلُو مِنْ مَأْزِقٍ وَاضِح؛ إِذْ إِنَّ تَكْرَارَ مَشَاهِدِ التَّعْذِيب، رَغْمَ قَسْوَتِهِ، يُضْعِفُ الإِيقَاع، وَيَجْعَلُ الأَلَمَ مَأْلُوفاً بَعْدَ أَنْ كَانَ صَادِماً. كَمَا تَبْقَى بَعْضُ الشَّخْصِيَّاتِ ذَاتَ طَابَعٍ وَظِيفِيّ، لَا تَتَطَوَّرُ بِمَا يَكْفِي لِتَمْنَحَ الرِّوَايَةَ عُمْقَهَا الإِنْسَانِيَّ الكَامِل. ذُرْوَةُ الرِّوَايَةِ لَيْسَتْ فِي السِّجْن، بَلْ خَارِجَهُ. حِينَ يَخْرُجُ البَطَلُ لِيَجِدَ نَفْسَهُ مُشَرَّداً، يَعِيشُ تَحْتَ “التِّمْثَال”، تَتَحَقَّقُ أَقْوَى مُفَارَقَاتِ النَّصِّ: الحُرِّيَّةُ الشَّكْلِيَّةُ لَا تَعْنِي التَّحَرُّر. فَالْبَطَلُ لَمْ يَعُدْ فِي الزَّنْزَانَة، لَكِنَّهُ مَا يَزَالُ دَاخِلَهَا، بِشَكْلٍ آخَر. يُمَثِّلُ التِّمْثَالُ تَجْسِيداً مَادِّيّاً لِلأَيْدْيُولُوجْيَا، بِوَصْفِهِ قُوَّةً مَفْرُوضَةً عَلَى الوَعْيِ العَامّ، وَهُوَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ مَصْدَرُ انْفِعَالٍ يُوَلِّدُ الخَوْفَ حَتَّى فِي غِيَابِهِ. لِذَلِكَ، فَإِنَّ بَقَاءَ البَطَلِ تَحْتَ ظِلِّهِ لَيْسَ صُدْفَة، بَلْ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ القَمْعَ يَسْتَمِرُّ حَتَّى وَهُوَ يَنْهَار. وَتَكْتَمِلُ الصُّورَةُ مَعَ بَائِعَةِ الشَّاي، الَّتِي فَقَدَتِ ابْنَهَا بِالإِعْدَام. هُنَا، لَا تَعُودُ الحِكَايَةُ فَرْدِيَّة، بَلْ جَمَاعِيَّة؛ شَخْصِيَّتَانِ عَلَى الهَامِش، يَجْمَعُهُمَا الفَقْد، وَيَعِيشَانِ خَارِجَ مَرْكَزِ السُّلْطَة، لَكِنَّهُمَا يَحْمِلَانِ نَتَائِجَهَا. إِنَّهُمَا تَمْثِيلٌ حَيٌّ لِمَا يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ “الطَّبَقَةَ المَكْسُورَة”، الَّتِي لَا تَصْنَعُ القَرَار، لَكِنَّهَا تَدْفَعُ ثَمَنَهُ كَامِلاً. العَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا إِنْسَانِيَّةٌ عَارِيَة: تَضَامُنٌ هَشٌّ بَيْنَ نَاجِيَيْنِ مِنْ آلَةٍ وَاحِدَة. وَيُمْكِنُ فَهْمُ هَذَا التَّمَسُّكِ بِالحَيَاةِ بِوَصْفِهِ تَعْبِيراً عَنْ إِرَادَةِ البَقَاء، رَغْمَ الخَرَاب. لَكِنَّ سُقُوطَ التِّمْثَال، الَّذِي يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ لَحْظَةَ خَلَاص، يَمُرُّ كَحَدَثٍ نَاقِص. وَهُنَا تَكْمُنُ جَرَأَةُ الرِّوَايَةِ وَإِشْكَالُهَا مَعاً؛ إِذْ تُلَمِّحُ إِلَى أَنَّ تَحْطِيمَ الرَّمْزِ لَا يَعْنِي تَحْطِيمَ مَا أَنْتَجَهُ. فَالْبِنْيَةُ قَدْ تَبْقَى حَتَّى بَعْدَ سُقُوطِ رَأْسِهَا، وَالخَوْفُ لَا يَزُولُ بِزَوَالِ سَبَبِهِ. الرِّوَايَة، بِهَذَا المَعْنَى، تَنْجَحُ فِي كَشْفِ القَمْع، لَكِنَّهَا لَا تُفَكِّكُهُ بِالكَامِل. تَضَعُ القَارِئَ أَمَامَ الجُرْح، لَكِنَّهَا لَا تَذْهَبُ بَعِيداً فِي تَحْلِيلِ مَا بَعْدَهُ. تَبْقَى فِي مَنْطِقَةِ الشَّهَادَةِ القَوِيَّة، دُونَ أَنْ تَتَحَوَّلَ دَائِماً إِلَى مُسَاءَلَةٍ جَذْرِيَّةٍ لِلْبِنْيَة. لُغَوِيّاً، تَمِيلُ الرِّوَايَةُ إِلَى المُبَاشَرَة، وَهُوَ مَا يَخْدُمُ وُضُوحَهَا، لَكِنَّهُ يَحُدُّ مِنْ طَاقَتِهَا الرَّمْزِيَّة. وَمَعَ ذَلِكَ، تَبْدُو هَذِهِ المُبَاشَرَةُ أَحْيَاناً خِيَاراً وَاعِياً، يَنْسَجِمُ مَعَ طَبِيعَةِ النَّصِّ بِوَصْفِهِ صَرْخَةً أَكْثَرَ مِنْهُ لُعْبَةً فَنِّيَّة. فِي المُحَصِّلَة، “نَدِيم الأَحْجَار” لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رِوَايَةٍ عَنِ السِّجْن، بَلْ عَنِ الإِنْسَانِ بَعْدَ السِّجْن؛ عَنْ كَائِنٍ خَرَجَ مِنَ القَيْد، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَحَرَّرْ مِنْ أَثَرِهِ. إِنَّهَا رِوَايَةٌ تَقُول، بِوُضُوحٍ مُؤْلِم: إِنَّ الصَّنَمَ لَا يَعِيشُ فِي السَّاحَةِ فَقَط… بَلْ فِي الدَّاخِلِ أَيْضاً. |
| المشـاهدات 32 تاريخ الإضافـة 22/06/2026 رقم المحتوى 71556 |
أخبار مشـابهة![]() |
فيفي عبده تخضع لفحوصات طبية لتحديد الحاجة إلى عملية جديدة
|
![]() |
المكسيك أول المتأهلين إلى دور الـ32 في المونديال |
![]() |
في ذكرى رحيله
أوائل في مسيرة الراحل أحمد راضي أحد فرسان المونديال |
![]() |
التقى وزير التجارة ورئيس اركان الجيش لبحث الاستحقاقات المالية
وزير المالية يوجه بمنح العلاوات والترفيعات المستحقة لموظفي الدولة |
![]() |
ثِغيب: بلاغةُ الخراب وتفكيكُ الهوية السردية في مختبر الفجيعة العراقية!! |
توقيـت بغداد









