الأربعاء 2026/6/24 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
نيوز بار
الدولة... وصناعة الإنسان متى يولد الوطن؟ الحلقة الخامسة والأخيرة
الدولة... وصناعة الإنسان متى يولد الوطن؟ الحلقة الخامسة والأخيرة
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب كتب رياض الفرطوسي
النـص :

بعد عقود طويلة من المعاناة تحت وطأة الاستبداد، وموجات متلاحقة من الاحتجاجات الصاخبة، وحروب إقليمية مدمرة تجرعت الشعوب مرارتها، تظل فكرة الوطن حاضرة في وجدان الإنسان العربي كحلم أثير ومؤجل لم يتحقق بعد. ففي كل هبة شعبية عارمة شهدتها المنطقة، من ساحات التحرير والتغيير في القاهرة والمنامة إلى شوارع بغداد وطرق بيروت المشتعلة، كان هناك قاسم مشترك وشعار مركزي واحد يختزل كل الآلام والأمال: "نريد وطن". إن هذا الوطن الذي تحنّ إليه الشوارع ليس مجرد رقعة جغرافية يحدها حارس أو خطوط مرسومة بالألوان على الخرائط، بل هو تجسيد حي لدولة عادلة وقوية، تحترم كينونة مواطنيها وتضمن لهم الحرية والكرامة كحقوق أصيلة لا كمنح وهبات تجود بها السلطة؛ ولعل عمق هذا النداء ينبع من حقيقة أن ولادة الوطن الحقيقي ليست حدثاً تلقائياً معزولاً أو هبة تمنحها الصدف التاريخية، بل هي الثمرة الناضجة لمخاض معركة فكرية وسياسية وثقافية طويلة الأمد، تخوضها المجتمعات بوعي ضد "فقر الخيال الوطني" الذي عزلها في خنادق الطوائف والمكونات الضيقة.

 

إن هذه المعركة الوجودية لإنقاذ فكرة الدولة تتطلب، بالضرورة الفلسفية، قيادة سياسية جريئة تمتلك شجاعة التخلي عن تكتيكات البقاء العتيقة وقادرة على إحداث إصلاح جذري وبنيوي؛ إصلاح لا يرتكز على أدوات القمع الأمني أو سياسات شراء الذمم وتوزيع المغانم، بل يمضي قدماً نحو بناء "عقد اجتماعي جديد" على غرار أطروحات "جان جاك روسو"، يقوم على ركيزة المواطنة المتساوية كقيمة عليا فوق كل الانتماءات الفرعية. وهذا العقد الاجتماعي المأمول لا يمكن أن يرى النور دون مراجعة ثورية وجذرية للمناهج التعليمية والخطاب الإعلامي السائد، وبناء رواية تاريخية جامعة وقادرة على كسر هيمنة السرديات الطائفية الضيقة التي جففت الوعي الجمعي لعقود؛ فالإنسان لا يستطيع الانتماء لوطن لا يرى فيه نفسه، ولا يقرأ فيه تاريخاً مشتركاً يعبر عن وجوده.

 

إن إحياء الخيال الوطني لا يعني بأي حال من الأحوال الارتداد النكوصي نحو النماذج السلطوية الشمولية القديمة تحت شعارات واهية مثل "الدولة القوية" أو "المستبد العادل"، بل يعني حرفياً ما يفصله المفكر "فرانسيس فوكوياما" بضرورة التوازن بين بناء مؤسسات دولة كفوءة وخاضعة لسيادة القانون المطلق. إنها الدولة التي تمتلك الأهلية والقدرة المؤسساتية على احتواء التعددية وإدارة الصراعات الاجتماعية بشكل سلمي ودستوري؛ تلك الدولة التي لا تتردد في الدفاع عن سيادتها وحدودها الخارجية، لكنها تدرك في الوقت ذاته، وبعمق، أن استقرارها الحقيقي ومناعتها البنيوية ينبعان من وجود مواطن حر، كريم، وآمن، لا من مواطن خاضع، خائف، ومستتبَع لشبكات المحاصصة والزبائنية. وفي النهاية، فإن سؤال "متى يولد الوطن؟" لا تملك الإجابة عنه كتب التاريخ الجامدة، بل يُصاغ جواب الحاضر والمستقبل في وعي وإرادة النخب الثقافية والسياسية اليوم، وفي قدرة الشعوب الحية على النضال السلمي المستمر من أجل حلم مشترك يظل، برغم كل الانكسارات والحروب، الخيار الأوحد والأكثر إلحاحاً من أي وقت مضى لإنقاذ إنسانية الإنسان.

المشـاهدات 23   تاريخ الإضافـة 24/06/2026   رقم المحتوى 71617
أضف تقييـم