الأربعاء 2026/6/24 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
نيوز بار
سِفر التطهّر ونشيد العنقاء قراءة في فضاء (أصفى من البياض) للشاعر عبد السادة البصري
سِفر التطهّر ونشيد العنقاء قراءة في فضاء (أصفى من البياض) للشاعر عبد السادة البصري
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

أياد  النصيري

******

حين يكتب شاعر بصري معجون بماء الرافدين ومسكون بنقاء الجنوب فإن الكلمة لديه لا تعود مجرد حبر على ورق بل تتحول إلى كائن حي يتنفس يتألم وينتصر. في نص (أصفى من البياض) يأخذنا الشاعر عبد السادة البصري في رحلة وجدانية عميقة ليست لجلد الذات بل لإعادة صياغة انتصار الروح في زمن التلوث الإنساني

يبدأ النص بضربة شعرية صادمة وجارحة فالقلب الذي أُفردت صفحاته للآخرين عاث فيه العابثون والمرضى والحاقدون فساداً. الشاعر هنا لا يشكو ضعفاً بل يرسم جدارية لـ (الخيبة الصادقة) إنها مفارقة موجعة: كيف يتحول العطاء الإنساني إلى ثغرة يتسلل منها (السواد)؟

لكن الإدهاش الحقيقي في النص يكمن في تلك المسافة الفاصلة بين القلب والروح. لقد اتسخت صفحة القلب لأنها واجهت العالم، لكن (الروح) بقيت في مأمن تنضح بالبياض كينبوع لا ينضب. الشاعر هنا يفصل ذكياً بين ما نمنحه للناس وما نحتفظ به لله ولأنفسنا

يتحول الصمت في القصيدة إلى صوت ضاج وخانق. يتكرر لفظ (مذهولاً) أربع مرات متتالية (منها- منه=- منهم- من القلب) ليخلق إيقاعاً لاهثاً يعكس الصدمة الوجودية. هذا الذهول لا يشلّ حركة الشاعر، بل يدفعه للحركة- (لا أدري إلى أين؟ لكني أتجَرجرُ مفتوناً ببياضي

هذا (الجرجرة) ليست انكساراً بل هي قوة الجذب المغناطيسي للنقاء. الشاعر يسير مدفوعاً بأسئلته الثلاثية الحارقة والمربكة لكل إنسان عانى الخيبة: (إلى أين؟ متى؟ كيف؟) وهي أسئلة لا تبحث عن إجابات جغرافية أو زمنية، بل تبحث عن مأوى نفسي وآمن

في المقطع الأشد ضراوة في النص ينقلنا الشاعر من مربع الدهشة إلى مربع المواجهة الأسطورية

ذُبِحْتُ كثيراً / صُلِبْتُ كثيراً / شُتِمْتُ كثيراً / وفي كلّ مرّةٍ / أنهضُ كالعنقاء كثيراً

هنا يتحول الشاعر من مجرد ضحية للعابثين إلى بطل تراجيدي يمتلك سر الحياة والخلود. التكرار المكثف لكلمة (كثيراً) يعكس حجم الطعنات، لكنه في المقابل يعكس لا نهائية الانبعاث. إنه يتنازل عن الحلم ويقبل بذبحه، لكنه لا يتنازل عن عذرية الحلم ونقائه. إنه يرفض رفضاً قاطعاً (استعارة الوجوه) (الأقنعة الزائفة) مفضلاً عري البياض على زيف الألوان المتعددة

تأتي الخاتمة كأقوى صرخة تطهيرية في الشعر الحديث. يرحل الآخرون يتلاشون يذوبون في العدم ويستحضر الشاعر هنا الدلالة القرآنية والكونية للزبد كانوا زَبَداً) والزبد يذهب جفاءً بينما ما ينفع الروح فيبقى في بياضها المعمّر)

تكرار كلمة (بيضاء... بيضاء... بيضاء) في ختام النص ليس تكراراً لفظياً بل هو غسيل روحي وتأكيد على أن معركة الإنسان الحقيقية في هذه الحياة ليست في أن ينتصر على أعدائه بل في أن يحافظ على نقاء سريرته وألا يشبههم مهما أوجعوه

عبد السادة البصري في هذا النص، لم يكتب شعراً بل تقيأ وجعاً وغسل جرحه بماء الصبر وخرج إلينا رافعاً راية النقاء الروحي كأعلى مراتب الانتصار الإنساني. نصٌّ كُتِب بدم القلب وصيغَ بنور الروح ليبقى دائماً وأبداً... أصفى من البياض

**

( اصفى من البياض )

الاخرون...افردتُ لهم صفحةَ القلبِ

وتركتُ للروحِ بياضاً

لازمني وهمي ملازمةَ الروحِ للجسد

تدفّأتُ بالحنين ، واصغيتُ .. أصغيتُ ،،

اصغيتُ حتى ملّني الصمتُ

داخلي اصواتٌ تخنقني

مذهولاً منها

مذهولاً منه

مذهولاً منهم

مذهولاً من القلب

البياضُ يتلبّسني

السوادُ عيوني،،،،وعيوني السواد

الفضاءُ الملبّد بالمتاهات ،، الكؤوس ،،الحكايات ،،الأقاويل ،،،

يجبرني على التحرّك

لاأدري الى أين  ؟؟

لكنّي اتجرجرُ مفتوناً ببياضي

صفحةُ القلب اتسخت ،، لوّثها الاخرون ،،العابثون ،، الحاسدون ،،الحاقدون ،، المرضى النفسيون ،،، عاثوا بها

وظلّت الروحُ تنضحُ بياضاً

حُلُماً عشتُهُ ، قبعتُ فيه ردحاً

والى الان .... تتوارثني احلامي

منهكة ،، متهرّئة .. خائرة العزائم

لكنّني أسيرُ .. اسيرُ .. اسير ُ ،،،

أسيرُها دوماً ولاأدري ..

الى اين ؟؟؟؟؟

ومتى ؟؟؟؟؟؟

وكيف ؟؟؟؟؟؟

ذُبِحْتُ كثيراً

صُلِبْتُ كثيراً

شُتِمٔتُ كثيراً

وفي كلّ مرّةٍ

أنهضُ كالعنقاء كثيراً

 ارضى جداً،،، أن تُذْبَحَ احلامي

لكنّي،،، لن أقبلَ قطّ لها أن تُلَوّث

ماتلوثتُ ..

 ابداً لم أستعرْ وجهاً ،،

ظلّ ...حُلُمي ، قلبي ، روحي ،،، في صفاءٍ تام

ذهبَ الاخرون جميعاً

تلاشوا ،،

كانوا زَبَداً،،،

وبَقِيَتْ روحي بيضاءَ

بيضاءَ ..

بيضاء ،،

لأبقى أصفى من البياض دائماً

المشـاهدات 12   تاريخ الإضافـة 24/06/2026   رقم المحتوى 71618
أضف تقييـم