السبت 2026/6/27 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 33.57 مئويـة
نيوز بار
قصيدة روبنسن كروزو من ديوان في كل بئر يوسف يبكي للشاعر فاضل العزاوي
قصيدة روبنسن كروزو من ديوان في كل بئر يوسف يبكي للشاعر فاضل العزاوي
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

رسول عدنان / أمريكا

الجزء الأول

قُمتُ بتقطيع هذه القصيدة الى ثلاثة مقاطع لتسهيل تحليلها و من ثُمّ تفكيكها، و قد لَفَتْ انتبائي في هذا التقطيع للمقاطع، أنّ الشاعر قد عمد الى تكرار المطلع الإستهلاليِّ، لا أحد في البيت، و الذي أعاد الشاعر تكراره ثلاث مرات أديّا الى وحدة و تماسك الموضوع، في قصيدة كتبها الشاعرعام 1993

الجو العام للنص

يتقمّص الشاعر فكرةَ نصه من رواية مشهورة من كلاسيكيّات الأدب الانكليزي، وتعتبر أوّل رواية معرّبة في الأدب العربي الحديث (عام 1835م)، تدور أحداثها حول شاب ثريٍ يدعى روبنسن كروزو، قام برحلة للأمريكيتين وانتهى به الحال وحيدا في جزيرة نائيّة، تتحدّث الرواية عن الصراع الداخلي لروبنسن وتجربته في العزلة وكيف أنها غيّرت حياته وطريقة نظرته للأمور،هي قصّةٌ كتبها دانيال ديفو، نُشِرتْ للمرة الأولى سنة 1719، تعتبر أحيانا الرواية الأولى في الإنكليزيّة،هذه الرواية هي سيرة ذاتيّة تخيليّة وهي تحكى عن شاب انعزل في جزيرة ما، وحيداً لمدة طويلة دون أن يقابل أحداً من البشر، ثم بعد عدة سنوات يقابل أحد المتوحشين ويُعلمّه هذا الشاب بعضَ ما وصل إليه الإنسانُ المتحضِّر من تقدمٍ فكريٍ ويَجعله خادمه، في نهاية القصّة عاد روبنسون كروزو ومعه خادمه إلى أوروبا حيث العالم المتحضر،إنّ الإنسانَ قد يجدُ نفسه مُضطرّاً الى انْ يتّخذَ قراراً صعبا يغيّر مجرى حياته، لكن هنالك فرق بين من يختاره بإردته و من يُجبر عليه، فالفرق بين الشاعر و الرمز المتمثل بروبنسن هو أنّ الأوّلَ ( الشاعر) قد أُجبر على المنفى، أمّا الثاني فقد أختاره بإرادته، لكنّ النتيجة كلاهما وجدا نفسيهما خارج الوطن في مكانٍ ناءٍ حيث تبدأ المعاناة و الحنين،

دلالة العنوان

في هذه الأحداث يعكسُ الشاعر معاناتهِ من خلال رحلة منفاه الذي أختير له دون إرادته، و من خلال هذه الشخصيّة روبنسن كروزو تدورُ أحداث هذه القصيدة، بكلِّ ما حصل لبطل الرواية و التي عكسها الشاعر بكل وعيٍّ على نفسهِ و كيف اضطر الى ترك وطنهِ الى منفى لم يُفكر به، بل أُجبر عليه، حيث تبدأ رحلتُه الشاقّة بعيداً عن مرتع صباه و بعيداً عن ناسه الذين ألِفَهم و عاش معهم، وهذه القصّةُ تعني إلى الكثيرين حلم الإنعزال عن هذا العالم الظالم والحياة في ظلّ الطبيعة الرحيمة بالنسبة لهذا العالم كما تظهر مدى التحضر الذي توصلُت له الأمم الأوربية، و مثلّما كان بطل القصّة أوروبيُّ الولادة، عاد في نهايةِ القصّة الى بلادهِ أوروبا، و الربط واحظ حيث كلاهما الشاعر و الرمز قد تركا بلادهما و كابدا العيش على أنّ الرمزَ قد عاد الى بلاد، و التي يأملُ الشاعرُ بالعودة الى بلاده أيضا،

المقطع الأوّل

(لا أحدٌ في البيت يا روبنسن كروزو، كلّهم سمعوا النداء فإنسلوا واحد و احدا الى النفق المعتم، خائضين في المجرى المائي البارد، كاتمين أصواتهم الواهنة، حاملين فوانيسهم في أيديهم، باحثين عن ظلالهم فوق الجدران المقوّسة على الزمن، كلّهم اضطربوا فتركوا متاعهم للجرذان و اختفوا في الثقوب، خشية البلل،لا أحد في البيت ينتظرك يا روبنسون كروسو، الغيمة التي تركتها هناك سفتها الريح حتى الجبل،)

يبدأ الشاعر بجملة ابتدائية في حوار تجريدي مع روبنسن كروسو، قد يكون هذا الحوار هو انعاكس لتجربة الشاعر نفسه، و هذا البيت هو بيته او وطنه، و الضمير الواو في الأفعال سمعوا إنسلوا قد يعود الى أهله او أصدقائه، او شعبه العراقيِّ الذين بدأوا الهجرة الى منافيهم بشكل اضطراري بعد الكوارث التي حلّت بالعراق في زمن الديكتاتوريات، و كيف قادتهم هذه المنافي الى التشرّد، او قد يكون هو المولوج الذي أُحيط بقصّة كروزو نفسه، أمّا قوله حاملين فوانيسهم في أيديهم، الفانوس هو وسيلة الإضاة في العتمة و هذه العتمة قد تكون متاهة العمر او متاهة المنفى او متاهة القادم المجهول، الذي قاد الشاعر و أصدقائه من جماعة كركوك الى منافيهم أو قاد أهله و شعبه الى منافي متعددة، و هذا ما يفسّر قوله كلُّهم اضطربوا فتروكوا متاعهم للجُرذان، و هو وصف مؤلمٌ لكيفية و طريقة الرحيل او المغادرة هذه، فهل هذه الجرذان هم مجرمو النظام أم ادواته القمعية التي تصادر كل ما يملك المهاجر او المعارض، ام هي تلك الجرذان التي تعيش في البيوت بعد ان يهجرها أهلها، فعودة الشاعر الى استخدام الضمير الواو في فعلين اضطربوا وتركوا دليل على الخطاب الجماعيِّ فهو يصف جمع و ليس مفرد فهل هذا الجميع هو أبناء شعبه؟ أم أصدقائه من جماعة كركوك؟ ام أهل الشاعر و خاصته الذي اضطروا الى ترك بلدهم العراق نتيجة الكوارث التي حلّت به أبّان الحقبة الديكتاتورية، لاحظ قوله اختفوا في الثقوب خشية البلل، و هي استعارة عن المنافي او العقاب الذي ينتظرهم في بلدهم او خشية الضياع، فلم يعد أحد ينتظر الشاعر في بلده الذي تحوّل بعد عام 1991 الى بلد للهجرة الجماعيّة نتيجة لما حلّ به من دمار و حصار و روبنسون هو الشاعر الذي هجر بلده بحث عن الأمان بينما كان صاحب القصة الأنكليزية روبنسون  يكابدُ الصراع الداخلي  وتجربته في العزلة وكيف أنها غيّرت حياته وطريقة نظرته للأمور، و غير بعيد عن تجربة الشاعر نفسه الذي صاغ حوار هذا النص على ذات البحث عن الخلاص،

المقطع الثاني

(على الرمل المشبّع برائحة القير ترك اللصوص علاماتهم، واعدين بالعودة في زمن آخر، لا ضمان ضدَّ نفسك، جالساً على الصخرة، نازعا حذاءك، مدليّا رجلين في ماء البحر المستكن، راصدا الأفق بمنظار صديقك البحار الذي أكله الحوت،  عزاؤك الشمس فوق رؤوس الأشجار في غرّة الصباح و ميراثك هذا الخليج العامر بالسلاحف و الأسماك، تقيم ممالكها قريبا من كوخك، الشهب في الليالي و المطر الإستوائي في الظهيرة، و إذا ما حالفك الحظ فقد تخرج إليك حورية من البحر تقضي معها أجمل أيام حياتك،)

في هذا المقطع يصف الشاعر وصوله الى الضفة الأخرى من رحلة المنفى او العزلة التي كان ينشدها للخلاص و لذلك نرى قد بدأ هذه المقطع بقوله على الرمل المشبّعِ برائحة القير، إذن قد انتهى المحيط او البحر الذي له مدلول السفر عبر سفينة  روبنسون كروزو، لكن الآن أصبحنا نتحدّث عن الرمل حيث الوصول الى الشاطئ و رائحة القير، ليصف لنا الشاعر حاله بعد وصوله باستخدامه أسم الفاعل للحاليّة أربع مرات مثل، جالساً، نازعاً،مدليّاً،راصداً، ليحوّل المشهد من مهاجر عبر البحار الى وصوله متعباً مرهقا، حيث يحاول ان يقنع نفسه بجدوى هذه الرحلة الصعبة و اختيارها الأصعب، و ليس له عزاء على ترك بلده غير منظر رومانسي للشمس أعلى الشجر عند و قت الفجر، و كل ما يمكن ان يرثه من هذا الخليج الزاخر العامر بالسلاحف و الأسماك، هذه السلاحف التي تقيم بيوتنا قريبة من سكن متواضع اضطر الى السكن به و الواضح من خلال بناء الصورة، يبقى منظر البحر قائما، دليل على بلاد المهجر التي أختارها الشاعر دون أرادته، حيث جمال النساء و التي يصفها بالحوريات، و التي قد يتعرف على أحداهن ليقضي معها بقية حياته، و يربط الشاعر منظر بطل الرواية روبنسون كروزو الذي وصل الى جزيرة لا يعرف بها أحد، من وصول الشاعر الى منفاه، حالما بالتعرف على أحدى الحسناوات الحوريات لتكون شريكة حياته الجديدة، و هذا حوار من يكون وحيدا و يأمل بمن تقاسمه هذه الوحدة، و هذه من تباعات المنافي و قساوتها و خاصة في البداية، عندما يصل المهاجر الى المكان الجديد والتي رمز له الشاعر من خلال رواية روبنسون كروزو بالجزيرة ، حيث استعار هذه مفردة  للدلالة على البلد الذي وصل اليه وحيدا، هنالك بؤر الرمزية ذات كثافة دلالية عالية، والتي يمكننا استحضارها من إثراء أفق التأويل ويوسّع من مدارك الفهم، فعبارة ( صديقك الذي أكله الحوت) لا تُفهم في بعدها السردي المباشر، بل تنفتح على تمثيل رمزي لمعاناة الهجرة وما تكتنفه من مخاطر الفقد والغياب القسري، حيث يتحوّل الحوت إلى استعارة لإبتلاع المجهول للذات المهاجرة، في المقابل، تنهض صورة (حورية البحر) بوصفها رمزًا إغرائيًا يستبطن مفارقة الاغتراب، إذ تجسّد تلك اللذائذ السطحية التي قد يستدرج إليها المهاجر في فضاء الغربة، بما تحمله من إيهام بالتحقق مقابل تعميق الإحساس بالإقتلاع، ومن ثمّ، فإن استحضار هذين الرمزين يكشف عن بنية دلالية مزدوجة تقوم على جدلية الألم والإغواء، وهو ما يمنح النص بعدًا إنسانيًا أكثر تعقيدًا وثراءً

المقطع الثالث

(لا أحد في البيت يتحدّث عنك يا روبنسون كروزو لقد هجرك الجميع عندما صرت الشاهد و الضحية، إنني أتركك لمصيرك الذي أستحققته بجدارة، مشفوعا بآخر أحلامنا و أوهامنا، فأبق في جزيرتك، ناسيا و منسيا، و تأكد من أننا قد أحببناك دائما بصدق)

و تأكيداً على إبقاء وحدة الموضوع و تقوية بنية القصيدة، كرر الشاعر المقطع الإستهلالي، لا أحد في البيت، للمرة الثالثة، حيث بدا الشاعر متمثلا بروبنسون كروزو بالشعور بالأسى و الحزن، فقد بقي وحيدا، و قد أنفضَّ عنه الجميع، قد هجره، و قد توحي هذه الصورة الأكثر تركيبا، بمفهوم الجميع و أنزياحها الدلالي، هل الجميع هنا هم أهل الشاعر و خاصته؟ أم أصدقائه؟ ام أبناء شعبه؟ الذين أضطروا الى مهاجرة بلديهم العراق بعد أنتهاء حرب 1991، و قوله صرت الشاهد و الضحيّة، فهو ضحية هذه الحروب و الهجرات المتي شهدها وطنه من عام 1968، و هو أيضا كان شاهدا على هذا الشتات التي حلّ بشعبه و بأقربائه و بأصدقائه، ثم يقيم حوارا تجريدا مع بطل الرواية من باب التعزية لذلك الإنكسار الذي أخذ يعصف بالشاعر، مسليّا نفسه بأحلامه و أوهامه، حيث استسلامه الى المنفى دون أمل في الرجوع من دلالة الجملة، فأبق في جزيرتك، فلا أحد سوف يتذكره ناسيا منسيا، و هنا يصف الشاعر حالة الإنكسار النفسي التي وصل اليها هو من خلال بطل الرواية، الذي ترك أوروبا العريقة ليستقرَّ به الحال الى جزيرة نائية، كما فعل الشاعر الذي ترك أعرق بلد في الأرض و اقدم حضارة ليستقرَّ به المقام في المنفى، و يختم الشاعر هذه المأساة بعزاءٍ من باب التجريد الآ و هو قوله، و تأكّد مِنْ أنّنا قد أحببناك دائماً بصدق، و هذه هي ترجمة للمشاعر الإنسانية التي تعمل في نفس المهاجر عن طريق مشاعر أهله و أحبائه و أصدقائه و ناسه الذين تركهم مضطرا،

 

المشـاهدات 29   تاريخ الإضافـة 26/06/2026   رقم المحتوى 71690
أضف تقييـم