| النـص : استاذ الادارة الاستراتيجية كلية الادارة والاقتصاد جامعة دجلة
في زمن تتعاظم فيه التحديات البيئية وتتزايد المخاطر الناجمة عن التغيرات المناخية وشح الموارد المائية، تبرز أهمية القيادات السياسية التي تدرك أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق من دون حماية البيئة وضمان استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. وفي هذا السياق، تستحق وزيرة البيئة السيدة سروة عبد الواحد التقدير لما أبدته وتبديه باستمرار من اهتمام واضح ونهج راسخ بقضايا الاستدامة البيئية، ولما تتبناه من توجهات حيوية تسعى إلى ترسيخ ثقافة الحفاظ على البيئة بوصفها مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة.إن الحديث عن البيئة في العراق لا يقتصر على ملف واحد أو قضية محددة، بل يمتد إلى منظومة متكاملة تشمل المياه والهواء والتربة والتنوع الحيوي والمساحات الخضراء. ومن بين هذه الملفات يظل نهر دجلة رمزاً للحياة والحضارة العراقية، وأحد أهم الموارد الاستراتيجية التي يعتمد عليها ملايين المواطنين في الشرب والزراعة والصناعة. ومن هنا تكتسب الجهود الرامية إلى حماية النهر من التلوث والهدر والتجاوزات أهمية استثنائية، لأنها ترتبط بصورة مباشرة بالأمن المائي والغذائي والصحي للبلاد.لقد أكدت الوزيرة سروة عبد الواحد في أكثر من مناسبة أن حماية الموارد الطبيعية ليست ترفاً فكرياً أو مطلباً ثانوياً، بل هي جزء أساسي من عملية التنمية المستدامة. ويعكس هذا التوجه فهماً عميقاً للعلاقة العضوية الوثيقة بين البيئة والاقتصاد والصحة العامة، إذ لا يمكن بناء مجتمع مزدهر في ظل تدهور الموارد البيئية و تفاقم التلوث و انحسار المياه.ويُعد الاهتمام بنهر دجلة واحداً من أبرز المحاور التي تستحق الإشادة، لما يمثله النهر من قيمة تاريخية وحضارية وبيئية للعراق. فدجلة ليس مجرد مجرى مائي، بل هو شريان حياة ارتبط بظهور أقدم الحضارات الإنسانية وأسهم في تشكيل الهوية الثقافية والاجتماعية للبلاد. ومن هذا المنطلق فإن أي جهد يسعى إلى الحفاظ على نظافة النهر وتحسين نوعية مياهه ومواجهة مصادر التلوث يمثل استثماراً استراتيجيا مباشراً في مستقبل العراق وأجياله القادمة .كما أن التركيز على ملف المياه عموماً يعكس وعياً متقدما بالتحديات الكبيرة التي تواجه البلاد نتيجة التغيرات المناخية وتراجع الإيرادات المائية بشكل مؤسف وارتفاع درجات الحرارة. وقد أصبحت إدارة الموارد المائية بكفاءة ضرورة وطنية تستوجب تعزيز ثقافة الترشيد وتشجيع التقنيات الحديثة في الاستخدام الزراعي والصناعي والمنزلي، فضلاً عن دعم البرامج التي تسهم في حماية الأنهار والأهوار والموارد المائية الأخرى.ولا تقل أهمية عن ذلك توجهات الاستدامة المتقدمة الجديدة ولاسيما المتعلقة بالشأن البيئي والتي تنطلق من خلالها السيدة الوزيرة وجهودها المؤسسية على اعلى المستويات والمرتبطة بتحسين نوعية الماء والهواء ومكافحة التلوث البيئي. فالماء والهواء النظيفان حق أساسي لكل مواطن تنعكس جودتهما بشكل مباشر على صحة الإنسان وجودة حياته. ومن هنا تأتي أهمية المبادرات التي تهدف إلى الحد من مسببات التلوث واثراء التشريعات واللوائح ذات الصلة بالشأن البيئي الحيوي وترشيد الاستخدامات العملية ذات العلاقة ، والتوسع في المساحات الخضراء الحد من التجريف و التجاوزات عليها ، مع تشجيع المشاريع الصديقة للبيئة، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على المحيط الطبيعي.إن الاستدامة ليست مجرد شعار يُرفع في المؤتمرات والندوات للاستهلاك الاعلامي ، بل هي نهج عمل وطني طويل الأمد يقوم على التخطيط الواعي والإدارة الرشيدة للموارد. ولذلك فإن تبني رؤى ومبادرات تدعم الاستدامة البيئية يمثل خطوة ضرورية واعدة لبناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. كما أن إشراك المؤسسات الحكومية والجامعات ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص في هذه الجهود من شأنه أن يعزز فرص النجاح ويحول الأهداف البيئية إلى واقع ملموس.وتتجلى أهمية هذه التوجهات أيضاً في قدرتها على تعزيز الثقافة البيئية لدى الأجيال الشابة، فالمجتمعات التي تنجح في غرس قيم المحافظة على البيئة في نفوس أبنائها تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية. ولهذا فإن دعم البرامج التوعوية والتعليمية الخاصة بالبيئة والاستدامة يمثل استثماراً استراتيجياً متقدما طويل الأمد في بناء الإنسان قبل بناء المشاريع.إن تثمين دور الوزيرة السيدة المحترمة سروة عبد الواحد في هذا المجال لا يأتي من باب المجاملة، بل من منطلق الإقرار بأهمية كل جهد يسهم في حماية البيئة العراقية وصون مواردها الطبيعية. فالعراق اليوم بحاجة إلى رؤى عملية ومبادرات مستدامة تضع البيئة في صلب السياسات العامة، وتتعامل مع المياه والهواء والتنوع الحيوي باعتبارها ثروات وطنية ينبغي الحفاظ عليها وتنميتها.وفي الختام، فإن مستقبل العراق البيئي يعتمد على استمرار الجهود الرامية إلى حماية نهر دجلة ومصادر المياه وتحسين جودة الهواء وتعزيز الاستدامة في مختلف القطاعات. وكل خطوة تُتخذ في هذا الاتجاه تمثل إسهاماً حقيقياً في بناء وطن أكثر صحة واستقراراً وازدهاراً للأجيال الحاضرة والقادمة.
|