غواية الرّمالِ وهتكُ أستارِ النبوءة
حين تستيقظُ الأندلسُ في خيمةِ الضياع![]() |
| غواية الرّمالِ وهتكُ أستارِ النبوءة حين تستيقظُ الأندلسُ في خيمةِ الضياع |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
إياد النصيري تأتي هذه القراءة النقدية لتفكيك شيفرات النص عند الشاعر عارف الساعدي لا بوصفه مجرد بناءٍ شعريٍّ عابر بل بوصفه-وثيقة ارتطام- حادة بين جغرافيا ممزقة وتاريخٍ يأبى الاستعادة. إننا أمام رؤية نقدية تغوص في جوهر -التجربة الساعدي- حيث يتحول الشاعر من راوٍ للأطلال إلى -سادنٍ للغة- يُعيد تشكيل الهوية العربية انطلاقاً من خيمة الضياع في هذه القراءة نتتبع كيف استحال -البيت الشعري- عند الساعدي من مجرد تفعيلة وصورة إلى -مأوىً وجودي- أخير وكيف استطاع الشاعر ببراعة العرّاف أن يردم الهوة بين (سقط اللوى) و(الأندلس المتخيلة) إنها قراءة تحاول ملامسة الجرح الجغرافي الذي يمتد من الكوفة إلى بغداد وصولاً إلى أندلس الغيم كاشفةً عن جوهر القصيدة التي لم تعد تبكي الماضي بل تعيش فيه لترمم انكسارات الحاضر بين (غواية الرّمالِ) التي لا ترحم العابرين و(هتكِ أستارِ النبوءةِ) التي كفت عن التبشير بالخلاص ينفتح نص الشاعر عارف الساعدي كجرحٍ جغرافيّ يمتد من أقصى الوجع في الكوفة إلى ذروة الفجيعة في الأندلس. إننا هنا لسنا بصدد قراءةٍ شعريّة تمرُّ على الأطلال مرور المستذكرين بل نحن أمام -قيامةِ لغوية- تستحضر أرواح المدن الغارقة في رماد التاريخ لا يقرأ الكف بل يقرأ في تجاعيد الخريطة العربية ليُعيد تشكيل خيمة الضياع بوصفها الرحم الوحيد الذي لا يزال يتسع لانكساراتنا. إن الساعدي لا يستجدي الماضي بل يقتحمه في محاولةٍ يائسة لترميم (الذاكرة المثقوبة) التي تتسرب منها الأوطان ليخلق من (سكنى الأطلال) وطناً بديلاً مشيداً من رذاذ الكلام وغيم الاستعارة في هذا النص لا يكتب عارف الساعدي شعراً بالمعنى التقليدي بل يمارس (عملية استحضار) للأرواح الجغرافية والتاريخية. إنه يفتح حقيبة الذاكرة العربية المثقوبة ليسقط منها المدن والخيام والخيول في فضاءٍ حزين متجاوزاً بذلك عتبة البكاء على الأطلال إلى عتبة سكنى الأطلال يبدأ الساعدي نصه بضربات إيقاعية (يثرب- الكوفة- الشام- بغداد) كأنه يقرأ -التعويذة- التي تفتح أبواب التاريخ. لكنه بذكاء الشاعر (العارف) يكسر هذا الامتداد الجغرافي بكلمة (محبسي) هنا تكمن المفارقة كيف تكون العواصم الكبرى (سجوناً)؟ وكيف تكون هي السجينة بينما الشاعر هو السجان؟ إنها ليست جغرافيا الأرض بل جغرافيا الخيبة العواصم هنا -أيقونات- نحملها في جيوبنا بينما نحن مشردون في الواقع. إنه يصور العربي ككائن يحمل مدنه في ذاكرته لأنه فقدها على الخريطة حين ينتقل الشاعر إلى الأندلس فإنه لا يراها تاريخاً مضى بل يراها -بناءً حلمياً-. قوله (وشيدوا فوق ظهر الغيم أندلسا) هو تصوير عبقري لهشاشة الحلم العربي. الغيم لا يحمل البناء لكننا -كعرب- بارعون في تشييد حضاراتنا في -اللا-مكان- الأندلس عند الساعدي ليست جغرافيا في إسبانيا بل هي -حالة ذهنية- نهرب إليها كلما ضاق بنا الواقع ينتقل النص من السرد الحلمي إلى -التحذير الوجودي- الشاعر يخاطب الفاتح أو العابر أو-الزمن- الذي يدوس البلاد بخيله. هنا تبرز -اللغة الجارحة- التي استعارها من أسلافه يقول- (إن حلماً زرعناه في دربنا... قد يبس) هذه اليبوسة ليست في الزرع، بل في -الروح الجمعية- الساعدي يضع يده على الجرح نحن أمة تسكن في (الماضي التام) بينما حاضرنا (منفلت) كالأرض التي تسيح من تحت أقدامنا أجمل غوص في هذا النص هو مشهد -امرؤ القيس- الشاعر هنا يذهب للأصل لرب الخيمة الأول لكنه يجده صامتاً امرؤ القيس (الملك الضليل) لا يرد السلام. لماذا؟ لأن الهوة بين -الطلل القديم- و-الضياع الحديث- أصبحت شاسعة جداً. نحن نحاول استنطاق التاريخ لكن التاريخ يرفض التعرف علينا. نحن -نقتحم- خيمتهنكسر الباب)(نختلس) في محاولة بائسة لاستعادة -رجولة لغوية أو (عزة مفقودة) يستحضر الساعدي بيت السموأل الشهير عن (قلة العدد وعزة الجار) ليضعه في مواجهة (كثرة العدد وذلة الروح) في العصر الحديث (ونحن كثيرون نملأ هذا الفضاء بلا عدد) هذه الكثرة عند الساعدي هي (غثاء كغثاء السيل) نحن كثيرون كالحصى لكننا (نتفتت) هنا يتحول النقد من نقد أدبي إلى نقد -حضاري مرّ- الشاعر يسخر من الزحام الذي لا ينتج حضارة ومن الضجيج الذي لا يصنع أثرا في الخاتمة يصل الساعدي إلى ذروة التنوير الشعري. نحن نُطرد من بيوتنا (الواقعية/السياسية/الوطنية) لننام في بيت من الشعر هذا التلاعب اللفظي بين (بيت الشعر - الخيمة) و(بيت الشعر - القصيدة) هو بيت القصيد في النص كله. لقد تحولت -اللغة العربية- إلى (الوطن الوحيد) المتبقي. نحن نسكن في القصائد لأننا لم نعد نملك مدناً تسعنا. نص عارف الساعدي هو صرخة -من داخل الخيمة- إنه لا ينعى الأندلس أو بغداد، بل ينعى -الإنسان العربي- الذي أصبح يعيش في استعارة كبرى لقد نجح الشاعر في جعل (الطلل) كائناً حياً يرفض مصافحتنا وجعل (الناقة) تعبر بحور الشعر (بحر الطويل) لتثبت أننا أمة -لغوية- بامتياز تقتات على ذكرياتها لكي لا تموت من الجوع الحاضر إنه نص -الارتطام بالماضي- حيث القصيدة هي (الغيمة والرذاذ) التي تبرد حرائق الخيبات المتلاحقة. عارف الساعدي في هذا النص لم يكن شاعراً فحسب، بل كان (عرّافاً) يقرأ في رمال اللغة مصير أمة ضيعت الطريق إلى البيت فوجدت في -البيت الشعري- مأواها الأخير وهكذا يرتفع بنا نص عارف الساعدي من وحل الواقع إلى سدرة المنتهى الشعري حيث تغدو القصيدة هي (الأندلس الأخيرة) التي لم تسقط بعد. إنه لا يكتب بالحبْر، بل بدمِ المسافات التي تفصل بين (بيوتِ الطين) و(بيوتِ الشعر) ليُثبت في نهاية المطاف أننا أمةٌ قد تفقدُ البوصلة، وقد يرفضُ -الملك الضليل- رد السلام عليها لكنها تظلُّ قادرةً على اختراع "خيمتها" الخاصة من نسيج الحروف إن هذا النص هو -ارتطامٌ مقدّس- بجدار الزمن ارتطامٌ لا يُهشم الرأس بل يوقظ الوعي. وبينما يسدل الساعدي ستاره يتركنا نتساءل بمزيجٍ من الدهشة والشجن هل نحن من نسكن القصيدة أم هي التي تسكننا؟ لقد استطاع الشاعر ببراعة -الساحر- أن يجعل من هزائمنا قلاعاً لغوية ومن خيباتنا أيقوناتٍ للجمال ليظل بيتُ الشعر هو العاصم الوحيد في طوفان الضياع والمرفأ الذي ترسو عليه خيولنا المتعبة كلما أنكرتنا الأرض واستقبلتنا الرؤى تقاسيم…. في خيمة امرئِ القيس ** يثربُ الكوفةُ الشامُ بغدادُ وانفتحت نجمةٌ في أعالي الرؤوس عبرنا لها الأبيضَ المتوسطَ من دون أنْ نحترسْ إنها إنها الأندلسْ كل هذي العواصم في محبسي دون أنْ تنحبسْ (قادوا المنازل والأيام والعسسا وشيدوا فوق ظهر الغيم اندلسا لم يشرحوا حزنهم ، او يقبضوا يدهم ولم يقولوا لهذا المستحيل عسى ) كل هذا العواصم كانت لجدِّي الذي قادنا في ليالي الشتاء لنعبر كل البحار ونغرس أحلامنا دون ان ننغرسْ فتأملْ وأنت تدوس بخيلك هذي البلادَ التي قلتُها واحترسْ يا صديقي احترسْ ان حلماً زرعناه في دربنا وسقيناه اجدادنا قد يبِسْ كيف تنفلت الارض من تحتنا وتتيه العواصم يا صاحبي وقصورٌ بذاكرتي تندرسْ ولم تبق غير الطلول التي في القصائد ننشدها ثم ندخل خيماتها ونقلب اسرارها قبلةً خاطفة بعراً للأرامْ وحنيناً يمزق تلك الخيامْ وحين نمرُّ على عاشقٍ كامرئِ القيس ندخل سقط اللوا ونسلِّمُ لكنه لا يرد السلامْ فنكسر باب الدخول وقد نختلسْ ….. نحنًّ إلى طللٍ في قصائد اجدادنا الغابرين نحنُّ إلى ناقةٍ وهي تعبر بحر الطويل مهفهفةً جامحه نحنُّ إلى الحزن واللغة الجارحه نحنُّ لصوت السموأل وهو يلملم جيرانه ويقول (تعيرنا أنا قليلٌ عديدنا فقلت لها ان الكرام قليلُ وما ضرَّنا أنا قليلٌ وجارنا عزيزٌ وجار الأكثرين ذليلُ) تذكرت بيت السموأل هذا ونحن كثيرون نملأ هذا الفضاء بلا عددٍ (كثيرون مروا من يديه وافلتوا ولموا حصىً في الروح حتى تفتتوا كثيرون لا معنىً لهم غير انهم كثيرون مروا من يديه وافلتوا) لماذا نحنُّ إذا ؟؟ لماذا نحنُّ إلى طللٍ كان يسكنه الشنفرى والى خيمةٍ هجرتها القبائلُ بحثاً عن العشب والماء بين القرى نحنُّ إلى الشيح والبادية ونردد بيتاً لعمرو بن كلثوم في الجهة الثانية لماذا نحنُّ لتلك الطلول لماذا وكيف غدتْ خيمةٌ قبل عشرين قرنا لنا في ليالي الضياع ملاذا وكيف اختلفنا لتأخذنا الريح ما بين هذا وهذا وكيف يرشُّ الزمانُ القديمُ قصائده فوق خيباتنا غيمةً ورذاذا ونبقى كما نحن نبكي ونضحك نسخر من حزننا ثم نُطرد من بيتنا كي ننام ببيتٍ من الشعر قد خطَّه أحدُ الشعراء العرب خطَّه وهو يعبر من فوق ناقتهِ عندما كانت الامة العربية أُمَّاً وأبْا |
| المشـاهدات 87 تاريخ الإضافـة 29/06/2026 رقم المحتوى 71762 |
توقيـت بغداد









