| النـص :
من حق أي دولة أن تطور منظومة تعليمها العالي، ومن واجب جامعاتها أن تنفتح على التجارب العالمية الناجحة، غير أن التطوير الحقيقي لا يعني استيراد النماذج التعليمية وتطبيقها بحرفيتها، بل يعني اختيار ما يتلاءم مع البيئة الوطنية، والاستفادة من الخبرات الدولية بما ينسجم مع الإمكانات والخصوصيات المحلية. ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة اليوم ملحة لإجراء مراجعة علمية وموضوعية لتجربة تطبيق نظام بولونيا في الجامعات العراقية، بعيداً عن الانفعال، وبعيداً عن الاعتقاد بأن كل ما يأتي من الخارج يمثل بالضرورة النموذج الأمثل.لقد عرف التعليم العالي العراقي، طوال أكثر من نصف قرن، نظاماً فصليا مستقراً استطاع أن يؤسس مدرسة أكاديمية رصينة، وأن يخرج عشرات الآلاف من الأطباء والمهندسين والصيادلة والقانونيين والعلماء والتربويين الذين أثبتوا كفاءتهم داخل العراق وخارجه. ولم يكن هذا النجاح مجرد صدفة، وإنما كان نتيجة منظومة تعليمية متكاملة تراكمت خبراتها عبر عقود، واستندت إلى مناهج واضحة، وتسلسل علمي متماسك، وعلاقة أكاديمية مستقرة بين الأستاذ والطالب، فضلاً عن وضوح التعليمات وثباتها.وإذا كان معيار نجاح أي نظام هو جودة مخرجاته، فإن النظام الفصلي العراقي يمتلك رصيداً تاريخياً يصعب تجاهله. فكثير من خريجي الجامعات العراقية كانوا ولا يزالون يشغلون مواقع أكاديمية ومهنية مرموقة في جامعات ومراكز بحثية عربية وعالمية، وهو ما يؤكد أن المشكلة لم تكن في بنية النظام الفصلي بقدر ما كانت في التحديات التي واجهت مؤسسات الدولة عموماً خلال العقود الأخيرة.أما نظام بولونيا، فهو مشروع إصلاحي أوروبي نشأ في بيئة تختلف جذرياً عن البيئة العراقية. فقد تأسس على مبدأ استقلال الجامعات، والتمويل المستقر، والبنية الرقمية المتقدمة، والإرشاد الأكاديمي الفاعل، والأعداد المناسبة للطلبة، والمرونة الكبيرة في تصميم البرامج الدراسية، إضافة إلى ثقافة مؤسسية تشجع الطالب على بناء مساره العلمي بصورة مستقلة. ومن هنا، فإن نجاح النظام في أوروبا لا يعني بالضرورة نجاحه بالدرجة نفسها في بيئات تختلف في ظروفها وإمكاناتها.لقد أظهرت التجربة العراقية أن التطبيق واجه تحديات ملموسة. فقد وجد عدد كبير من التدريسيين أنفسهم أمام إجراءات جديدة تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين، دون أن تسبقها برامج إعداد وتدريب شاملة. كما أن المقررين ورؤساء الأقسام أصبحوا يتحملون أعباء تنظيمية وإدارية متزايدة، الأمر الذي انعكس على الوقت المخصص للتدريس والبحث العلمي والإشراف الأكاديمي. كذلك، فإن كثافة أعداد الطلبة في كثير من الكليات تجعل تطبيق الإرشاد الأكاديمي الفردي والمتابعة المستمرة أمراً بالغ الصعوبة في ظل الإمكانات الحالية.ولعل أكثر ما يثير القلق هو أن جانباً مهماً من النقاش انشغل بكيفية تنفيذ الإجراءات، بدلاً من مناقشة سؤال أكثر جوهرية: هل أصبحت مخرجات التعليم أفضل مما كانت عليه؟ وهل انخفضت نسب التعثر؟ وهل تحسن مستوى الخريجين؟ وهل ارتفعت جودة البحث العلمي؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي أن تستند إلى بيانات وطنية ومؤشرات أداء واضحة، لا إلى الانطباعات أو الرغبة الجامحة في مسايرة وتقليدالنماذج العالمية.إن الدعوة إلى مراجعة تجربة بولونيا ليست دعوة إلى رفض التطوير، بل هي دعوة إلى ترسيخ مبدأ أساسي في إدارة التعليم العالي، وهو أن نجاح أي إصلاح مرهون بملاءمته للبيئة التي يُطبق فيها. فلا توجد منظومة تعليمية ناجحة تصلح لكل الدول بالصيغة نفسها، كما أن التجارب العالمية الكبرى لم تنجح إلا بعد أن صيغت بما يتوافق مع خصوصيات مجتمعاتها.ومن هنا، فإن المسؤولية العلمية والأخلاقية تقتضي من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تشكيل لجان وطنية مستقلة تضم أساتذة من مختلف الجامعات والتخصصات، تتولى إجراء تقويم شامل وشفاف لتجربة تطبيق نظام بولونيا، يعتمد على مؤشرات قابلة للقياس، مثل مستوى التحصيل العلمي، ونسب النجاح، وجودة المخرجات، وآراء التدريسيين والطلبة، وكفاءة الإدارة الأكاديمية، ومدى جاهزية البنية التحتية. فإذا أثبت التقويم أن بعض عناصر النظام تحتاج إلى تعديل أو تأجيل أو استبدال، فإن الاستجابة لهذه النتائج تمثل قوة للمؤسسة الأكاديمية، لا تراجعاً عنها.لقد أثبت النظام الفصلي ، عبر عقود، أنه قادر على إنتاج مخرجات علمية رصينة عندما تتوافر له بيئة جامعية مستقرة. ومن ثم، فإن تطوير التعليم العالي في العراق ينبغي أن ينطلق من البناء على نقاط قوة هذه التجربة، مع إدخال عناصر الجودة والاعتماد الأكاديمي والتقنيات الحديثة بصورة تدريجية ومدروسة، بدلاً من الانتقال السريع او الفجائي إلى نموذج صُمم لواقع مختلف. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بحداثة الشعارات، وإنما بقدرته على تحسين جودة التعليم وخدمة الطالب والأستاذ والمجتمع. وهذه هي الغاية التي ينبغي أن تظل البوصلة الأساسية لكل سياسة تعليمية ولاسيما في العراق.
|