قراءة في قصيدة / على عتبة الذكرى
للشاعرة الجزائرية/ وفاء بن حمودة![]() |
| قراءة في قصيدة / على عتبة الذكرى للشاعرة الجزائرية/ وفاء بن حمودة |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
د . بسمة حسن حمدي منذ فترة غير بعيدة ، صرت مرتبطة بإنتاج أصدقاء مقربين سواء كانوا شعراء أو رواة ، أهرب من ضغوطات الحياة اليومية وثقل وطأة روتين الساحة الثقافية في عالمنا العربي ، لعلي أجد بين طيات أسطرهم ما يكسر عتمة صدري و يفصلني عن الواقع ولو مؤقتا ، حيث ألتقط أنفاسي ويزيد ايماني أن الكلمة سلاحا، وأي سلاح ؟ . وللمرة الثانية أصطف وراء الشاعرة الجزائرية وفاء بن حمودة ، عندما استوقفتني قصيدتها "على عتبة الذكرى"، قرأت القصيدة ثلاثاً ، ثم توقفت فجأة ، نهضت من مكاني وصرت أذرع الغرفة جيئة وذهابا ، وبين الفينة والأخرى أرنو بطرف عيني إلى جهازي الذي حملته القصيدة . شيء ما يشدني إلى القصيدة ، وانا التي تزعم أني تسللت إلى أعماق الشاعرة ، وسبرت اغوارها من خلال ديوانها - حين ترحل ازهار الدار - . كان من المفترض أن أكون قد ألممت بهندستها وتقنياتها الشعرية ، حيث كانت في قراءتي كل شيء ونقيضه. لكن هذه المرة الأمر مختلف جدا ، ثمة تشابه بيننا .. شراكة في شيء بعينه .. هنا توقفت طويلا قبل أن اكتشف ماهية هذا الشيء المشترك بيننا .. إنه الحنين وبعض من غربة اقتلعتنا من أحضان حياة أحببناها وصرنا نرنو إليها بمزيد من الأسى .. هنا فقط قررت أن أكتب عن هذه القصيدة - على عتبة الذكرى. - بعد أن اكتشفت لاحقاً أنها مرفوعة لمدرستها الثانوية - الفتح - بالبليدة . وقبل أن نتطرق إلى تفاصيل القصيدة ، دعونا نعرف القارئ العربي بمدينة البليدة ، ولماذا سميت بهذا الاسم ؟ وليعرف القارئ أيضا من أين جاءت هذه الشاعرة المتمرسة . مدينة البليدة : هي مدينة تقع في شمال الجزائر ، أسسها المهاجرون الاندلسيون ، وتحديدا على يد - سيدي أحمد الكبير الاندلسي - سنة 1535 م ، وتتميز بطابعها الاندلسي والعثماني .. تلقب بمدينة الورود ومدينة الأبواب السبعة . تشتهر بزراعة البرتقال والورود والحلويات ، ناهيك عن كونها وجهة سياحية لما تحمله جغرافيتها من مناظر خلابة ، ومتاخمتها لجبال الاطلس ، سميت بالبليدة، هو اسم تصغير لكلمة بلدة في اللغة العربية نظرا لصغر مساحتها . لك عزيزي القارئ أن تتأكد الآن أن البيئة وجذور المرء تلعب دورا كبيرا في تشكيل ثقافته ووعيه .. ألم أقل لكم آنفا أن - وفاء بن حمودة - كل شيء ونقيضه ، فمن الرقة والجمال وسمو الكلمات إلى المحاربة بسيف الكلمة .. إنها تلك القادمة من مدينة الزهور المطعمة بشموخ جبال الأطلس . - على عتبة الذكرى - قصيدة تأخذك إلى الماضي .. إلى اروع أيام حياتك ..أيام الدراسة حيث كان للمعلم وقاره وللتعليم مكانته : في محرابك ما يجعل يومي هذا يتساقط حنينا .. أمشي بخطى ترتجف لهفة للملقى وأحاول بكل هدوء أن أصل لتلك الزاوية هناك ... كأني بالشاعرة جاءت محرابها تتقدم خطوة وتتراجع خطوات .. فالغائب حين تطول غيبته ثم يعود ، يشعر برهبة كبيرة من اللقاء المرتقب .. تتصاعد أنفاسه وتتسارع دقات قلبه ، ورغم لهفته للقاء إلا أن رهبته اكبر فيتناثر الحنين على أعتاب خطواته .. فتتظاهر الشاعرة بالهدوء وعينها على زاوية معينة ، شهدت بعضا من ذكرياتها التي كانت مدفونة ، حتى اقتحمت محيط ترددها وقررت إيقاظ تلك الذكريات ، وكأن الإنسان بمداد عمره جملة من ذكريات : حيث أناظر تزاحم الذكريات وانا وحدي متكئة على جدارك العتيق وكما تسارعت دقات قلبها .. تسارعت الذكريات ، فصارت تناظر تزاحمها وهي متكئة على الجدار العتيق ، وكأنها تأخذ استراحة من حاضرها الذي ساقها إلى هذا المكان العبق باهازيج الطفولة .. جدار مازال قائما يذكرها بأن تاريخها هنا ، حيث كانت بداية النضج ، وبداية الكلمة ، وبداية مشوار انطلق من رحم الذكرى : وأبتسم مع المارين من هنا وهم يصافحون وجهي برائحة باذخة لا تشبه النسيان ... قد تتغير الوجوه .. وتمر السنون، ويمضي العمر ، ولكن الملامح نفسها ، أو هكذا تراءى للشاعرة ، فما ابتسامتها مع المارة إلا ارتباطا بهذا المكان ، وأبنائه الطيبين ، وكأن الطفلة بداخلها استيقظت لتعبر عن فرحتها وامتنانها بالتواجد بينهم : وأجدني طفلة تسقط من قلبي أنيقة الفرح ترسم بالصمت عمرا جميلا وحدي من يعزف على حبال صوتها - وفاء بن حمودة - لقد أدهشتني بتعابيرك الرائعة ، ولامست فؤادي بقولك: "ترسم بالصمت عمرا جميلا " ، لقد اختزلت كل تعابير أهل الضاد عن الصمت بهذه الجملة ، فحق لك أن تكوني العازفة المميزة لسمفونية - على أعتاب الذكرى - . وحدي من أسمع أحاديث هذا المكان .. مسافرة إليه اليوم وحقيبتي تحملها نسمات تطرق منابت حسي .. وتزهو على عتبة الوصول ... بأرجائك الساكنة بي هنا ندرك أن قراءة الاماكن فن لا يتقنه الا من كان يملك حسا مرهقا ونقاء ووفاء أبديا .. ولقد تجلى ذلك في الشاعرة التي قررت ذات يوم أن تشد الرحال إلى محرابها محملة بشتى أنواع الحنين، وبكمّ من تراكمات خلفتها الأيام التالية لرحيلها .. وكل خطوة إليه تتلمس منابت الحس فيها ، حتى لكأن كل الحواس تخدرت ، ولم تعد تشعر بشيء سوى التركيز على عتبة الوصول إلى محرابها المقدس ، حيث ابتدأ كل شيء ، ومنه تفجرت قريحتها الشعرية .. دعني أخبرك اليوم .. أنني مازلتُ أكتب .. ما زلتُ أقرأ لنزار .. وأجمع أوراق الشجر بأيلول .. وأهوى المطر .. دعني أخبرك .. أنّ بيني وبينك قوارب شوق .. ستظل ترسو بميناء وفائي .. وما أشهى عمري بمحرابك لقد جاءت لتخبره من ضمن أخبارها أنها مازالت وفية للمعلم الذي شكل وجداننا فمازالت تكتب وتقرا لنزار مدرستها الشعرية كما في الايام الخوالي داخل جدرانه ، وكيف أنها ارتبطت بشهر ايلول من كل سنة حيث العودة المدرسية فتشرع في ذاك الشهر بجمع أوراق الشجر، عادة تقوم بها في تلك الأيام ولم تنسها فباتت طقس وفاء . وما بين تلاطم الذكريات في بحر الشوق اللامتناهي تبحر قوارب وفاء بن حمودة لترسو على شواطئ الحنين لمحراب له قدسية أزلية، إنه محراب مدرسة الفتح الثانوية بالبليدة . |
| المشـاهدات 22 تاريخ الإضافـة 11/07/2026 رقم المحتوى 72113 |
أخبار مشـابهة![]() |
فلاح الشابندر بين مهيمنات النصّ ومفاتيح شفراته تحت سجادة الرمز |
![]() |
تحليل قصيدة "على ضفاف الهايكو" للشاعر منذر عبد الحر بأدوات الشَّكلانيّة الروسيّة |
![]() |
اوضح بشأن شمول المتهم عدنان الجميلي والنواب الموقوفين بقانون العفو العام
القضاء يرسم آلية شمول الفاسدين بالتسويات والعفو العام |
![]() |
المصارف الحكومية تبدأ بيع الدولار للمسافرين بالسقف الجديد
البرلمان يفتح ملف تخفيض حصة الدولار للمسافر واستضافة لمحافظ المركزي هذا الاسبوع |
![]() |
وزير الخارجية : الإفراج عن الصيادين في الكويت يعكس عمق العلاقة الاخوية بين العراق والكويت
عودة اربعة صيادين عراقيين مصابين و جثمان خامس كانوا محتجزين في الكويت |
توقيـت بغداد









