السبت 2026/7/11 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 33.16 مئويـة
نيوز بار
تحليل قصيدة "على ضفاف الهايكو" للشاعر منذر عبد الحر بأدوات الشَّكلانيّة الروسيّة
تحليل قصيدة "على ضفاف الهايكو" للشاعر منذر عبد الحر بأدوات الشَّكلانيّة الروسيّة
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

ناصر أبوعون

أولًا – القصيدة (على ضفاف الهايكو)

[(1) جدران من قشٍّ/ خلفها بركة آسنة = امرأة الليل (2) عمود أخرس/ جثةٌ أنيقة = الحارس الشخصي (3) فاكهة ملونة/ أفواه حائرة = اللوحة على سُفرة الفقراء (4) بحرٌ هائج/ سفنٌ معطلة = دموع الأمهات (5) خارطة باردة/ لظهر مقصوم = رغيف اليتامى (6) تدفع القطة بأنفها/ بابا بفتحة صغيرة = فتنة العائلة (7) مأذنة صامتة/ فقير ينام في الباب = حظر تجوال (8) زوجة غاضبة/ ثلاجةٌ فارغة = نزاهة موظف (9) أغنية حزينة/ دموع ساخنة = وطني العراق (10)  قطيع هارب/ من عشب المرعى = عدوى الوباء].

ثانيًا – مدخل: الهايكو ليس عربيًّا

في البدء كان الصدق منجاة، وحَسَنًا فعل الشاعر منذر عبدالحر أنْ عَنْوَنَ نصّه بـ(على ضفاف الهايكو) حتى لايخدع القاريء، ولا يُخادع نفسه؛ لأنه يُدرك – في قرارة نفسه -  أن (قصيدة الهايكو) ذات خصوصيّة يابانيّة وفنيّة، ونابعة من تراث شعريّ آسيويّ له تقاليده التي لا يستطيع مجاراتها أديب شرقيٌّ أو غربيُّ؛ لكون بِنيتها ومعمارها مرتبط بعلوم الموسيقى، والرياضيات والطقس، والمناخ، والفلسفة، والفلكلور، والتقاليد الاجتماعيّة اليابانيّة، والكثير من وحداتها اللغويّة معطيات طبيعية، فضلًا عن تحدّرها من (ثقافة لادينيّة)؛ وإن كانت تستند إلى تعاليم (الشنتويّة والبوذية)، وفي الجهة المقابلة من هذه الحقيقة تقف سائر الشعوب والأمم غير العربية عاجزة أمام المعمار الفني للقصيدة العربية الكلاسيكيّة وغير قادرة على إنتاج أو تقليد نصّ عموديّ ذي شطرين بأدواته وفنيّاته المتوارثة عبر أعصر الأدب العربيّ المتتالية منذ ثلاثة آلاف سنة أو يزيد وصولًا إلى يومنا هذا. إذن فاللغة جين وراثيّ والشعر سادن اللغة، والقرآن حارسها.

ثالثًا- القراءة الشكلانيّة للقصيدة:

أمّا بعدُ فإنّ طبيعة النصّ الذي بين أيدينا سندلف إلى قراءته تجريبيًّا من زاوية (الشكلانيّة الروسيّة)؛ التي تؤمن بقدرة القصيدة على إنتاج شعريتها من (الداخل)، بل وتنفي في الوقت ذاته فكرة اكتساب القصيدة لشعريتها من (موضوعها)، أو عبر مُعِيْنات خارجيّة، فضلًا عن إيمان المدرسة الشكلانية بقدرة الشعر على إعادة تشكيل اللغة، وإنتاج الأثر الجماليّ للنصّ من خلال بِنيته وطرائق التعبير الفنيّة التي يجيدها الشعر وحده بلا استثناء. ومن هذا المبدأ نضع أيدينا على القيمة الفنية في قصيدة منذر عبدالحر بمقاطعها العشرة، وميزة هذه القصيدة لا تنبع من القضايا التي تعالجها القصيدة، بل من الطريقة التي تنتهجها في تحويل المشاهد اليوميّة العاديّة والمعتادة التي نألفها إلى صور شعرية جديدة؛ حيث بدت لنا هذه الصور كوحدات قصيرة متتالية ومنظومة في سلك واحد تنتقل من حالتها المادية إلى دلالاتها الإنسانية. وبناءً على ما سبق سنحاول الوقوف على ماهيّة قصيدة (على ضفاف الهايكو)، والبحث في معمارها الفنيّ، والاشتغال عليها نقديّا عبر ثلاثة محاور: أولها شعرية اللغة وبِنْيَة النصّ، وثانيها الاهتمام بمفهوم "التغريب" والوسائل الفنية التي تمنح الشعر خصوصيته، وآخرها تحليل الصور، والرموز، والإيقاع، والمفارقة، والوحدة العضوية.

(1) شعرية اللغة وبنية النصّ

نحن أمام عشرة مقاطع تمّ ترقيمها رياضيًا – لا أدري لماذا؟- وكل مقطع يتألّف من ثلاثة أسطر مكثفة خرجت عن القواعد الفنيّة لقصيدة الهايكو الياباني، لكنها فقط ارتكزت على الشكل والمفارقة في توليد رؤية الشاعر. وبناءً على ما تقدم يمكننا استشفاف خصائص (الشكلانية) من هذ النصوص على النحو التالي:

[أ] الاقتصاد اللغوي: إذا أعدنا قراءة المقاطع العشرة سنلاحظ في كل مقطع ثلاث مشاهد سينمائية متجاورة، وإنّ كل كلمة عنصر بنائيّ لا يمكن استبدالها بغيرها؛ فضلًا عن نجاح اللغة في تحقيق هدفين اثنين: أ-(حذف التفسيرات والروابط). ب- (توليد العلاقات داخل ذهن القاريء). وهذه الميزة الإبداعية تُسمّى (تكثيف الوسيلة الفنيّة) بتعبير الشكلانيين الروس. ويمكننا اكتشاف هذه السمة في قول منذر عبدالحر: [جدران من قشٍّ/ خلفها بركة آسنة = امرأة الليل]

[ب] البنية القائمة على التصعيد: حيث يمكن اكتشاف هذه السمة جليًّا من خلال هذا المقطع [بحرٌ هائج/ سفنٌ معطلة = دموع الأمهات]؛ هنا سنلاحظ الحركة ثابتة من خلال ثلاث صور: فالصورة الأولى وصفيّة (بحرٌ هائج)، والبحر لاينتهي بالبحر، بل يقود إلى الإنسان.والصورة الثانية تطورت عن الصورة الأولى (سفنٌ معطّلة)، ثم تاتي الصورة الثالثة/ صدمة دلاليّة (دموع الأمهات). إذن بِنْية النص هنا بنية انكشاف، ولا علاقة لها بالسرد من قريب أو بعيد.

[ت] استقلال المقاطع ووحدتها: أي؛ إذا نظرنا إلى القصيدة من منظور علويّ سنجدها تشبه مدينة متشابهة الأبنية؛ فكل المقاطع متماسكة وتشكّل نصًّا واحدً، وإن كان كل مقطع يبدو له شخصيته المختلفة، فهو (قصيدة صغيرة مستقلة بذاتها) في إطار وحدة عضوية شاملة. وكل المقاطع بلا استثناء ترتكز على ثنائية (صورة مادية ← دلالة إنسانية).

ثانيًا: مفهوم التغريب والوسائل الفنية: تتحققت سمة (التغريب) عندما ينأى الشاعر بنفسه عن المباشرة والتصريح، ويلعب دور الساحر في تحويل الأشياء المألوفة والمعتادة إلى أشياء غريبة وجديدة ومفاجئة "عمود أخرس/ جثةٌ أنيقة = الحارس الشخصي"؛ فإذا كان "الحارس" دوره الوظيفيّ يتمثل في حماية الحياة؛ إلا أنّ وجوده بعد بجوار"جثة أنيقة" رَمَزَ للفشل. أمّا (الوسائل الفنية) فقد وظّف منذر عبدالحر سبع وسائل يمكننا إجمالها هنا: "الحذف، والإيحاء، والمجاورة بين الأشياء، والمفارقة، والرمز، والصورة المكثفة، والانزياح الدلالي"، وسنكتفي بالإجمال ولن نخوض في الأمثلة، ولا شروحاتها، ولا التفاصيل الصغيرة؛ لأنها ستضخّم المقالة وموضعها الكتاب -بإذن الله-

ثالثًا: الصور والرموز والإيقاع والمفارقة والوحدة العضوية:

[أ]: الصور الشعرية: تجلّى إبداع منذر عبدالحر في هذه القصيدة من خلال اعتماده على (الصورة المركّبة)، والمكوّنة من ثلاث صور متتابعة ومتعاونة في إنتاج معنى جديد. وسنسوق هنا مثالًا جمع فيه الشاعر داخل المقطع بين مشهدين: صورة بصريّة وصورة للحياة الاجتماعية "زوجة غاضبة/ ثلاجةٌ فارغة = نزاهة موظف".

[ب] الرموز: نكاد نجمع على أنّ كل مفردة داخل نسيج هذه القصيدة صارت رمزًا لكنها رموز غير سابقة التجهيز أو مُعلّبة سلفًا، بل تشكّلت داخل سياق النص والتجربة؛ فـ(الجدار = الهشاشة/ البركة = الركود/ العمود = السلطة الجامدة/ الحارس = الحماية الزائفة/ البحر = الاضطراب/ السفن = تعطل الحركة/ القطة = البراءة/ الباب = الانفتاح المحدود/ المأذنة = الضمير الديني/ الثلاجة = الحياة اليومية/ الرغيف = العدالة الاجتماعية/ العراق = الوطن الجريح).

[ت] الإيقاع: يتوفّر في هذه القصيدة النثريّة ثلاثة أنواع من الإيقاع: أمّا الأول، فهو (إيقاع التكرار البنائيّ)؛ فجميع المقاطع، تتكون من ثلاثة أسطر، ويتولّد عنها انتظامًا بصريًّا. وأمّا الثاني، فهو (الإيقاع الدلالي) حيث كل مقطع ينتهي بصدمة، وتتحوّل الحركة الإيقاعيّة إلى حركة معنويّة. مثل "بحر>سفن<دموع". وأمّا (إيقاع الحذف) فتحقق بـ"هندسة البياض" وتوظيف "الفراغ"، فضلًا عن انتفاء الجمل التفسيريّة، والاقتصاد اللغويّ في استعمال الأفعال.

[ج] المفارقة: تنتج عن تصادم عنصرين متنافرين لايجتمعان أبدًا، وهذا التصادم تتولّد عنه الشاعريّة الفذّة؛ باختصار يمكننا القول: إن (المفارقة) هي قلب القصيدة النابض بالشعر والحياة. ومن أمثلتها: "جثة أنيقة/ مأذنة صامتة/ نزاهة موظف ← ثلاجة فارغة/ الحارس الشخصي ← جثة./ البحر ← دموع الأمهات/ القطيع الهارب ← عدوى الوباء/ ".

[ث] الوحدة العضوية: في ظاهر القصيدة تبدو المقاطع متناثرة ولا رابط بينها؛ لكن مع التدقيق وإعادة القراءة مرةً بعد اخرى سنكتشف الوحدة العضوية ترتكز على شبكة واحددة ومعقّدة من الخيوط وخطوط التماس تربط المقاطع العشرة؛ فكل مقطع يبدأ بـ(صورة حِسيّة)، ثم يتحوّل إلى (صورة اجتماعية)، ثم ينتهي بـ(صورة إنسانيّة)؛ ولهذا فإن القصيدة تتحرك من: الشيء ← الرمز ← الإنسان، وهذا المسار  تكرَّر عشر مرات. ومن ثم تحققت الوحدة العضوية لا عبر الحكاية، وإنما عبر البنية المتكررة.

وفي الأخير أقول لكم: إنّ التحليل النقدي لقصيدة (على ضفاف الهايكو) للشاعر منذر عبدالحر، لم يرتكز على مرجعية سياسيّة أو اجتماعيّة، بل من نظرتنا إلى القصيدة بوصفها بناءً لغويًا مستقلًا، تتولد شعريته من انحراف اللغة عن مألوفها، ومن العلاقات الداخلية بين عناصر النص.

المشـاهدات 18   تاريخ الإضافـة 11/07/2026   رقم المحتوى 72108
أضف تقييـم