الأحد 2026/7/12 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 33.58 مئويـة
نيوز بار
صنع في العراق.... رواية الوجع المزمن ..والرسالة الإنسانيّة النبيلة
صنع في العراق.... رواية الوجع المزمن ..والرسالة الإنسانيّة النبيلة
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

منذر عبد الحر

1

في البدء لابد لي من الاعتراف أن لغة المبدعة ميسلون فاخر تأخذني إلى عمق روحي يتجلى في حرارة بناء الجملة وكأنها مكتوبة بحبر نبضات القلب، لا بمفردات تحاول بناء سياق الحدث الروائي الذي يؤدي وظيفة السرد بآلية قد نجدها في أعمال سردية أخرى، وهذا الإحساس تولد عندي منذ قراءتي لرواياتها صلصال امرأتين و الكلب الأسود، وزهرة , وأرى شخصياً أن لها مشروعاً ثقافياً تجسّد في أعمال متوالية في السرد، فمن يقرأ أعمالها بدقةٍ يعرف أن شخصياتها تتشابه في همومها وانشغالاتها وطبيعة حياتها المتنقلة في بيئات متناقضة تجعل الصراع الداخلي أكثر هيمنة على التحديات الخارجية التي تتعلق في الغالب بالهوية وما تتعرض إليه من محن وأزمات تتصاعد بمهارة وإحساس عال وقدرة على تسيير الحدث وكأنه سيمفونية تتغنى بالوجع، وهي ترسم لوحات رقص تعبيري يعطي للمعنى نكهة يشعر معها المتلقي بأنه يعيش أجواء فيها شيء من الغرائبية والألفة معا، أما كيف تتحقق هذه المعادلة، وهل تنجح فيها ميسلون، فهذا هو التساؤل الذي يفضي إلى قراءة عميقة وتفاعل مع النص وفضاءاته الجمالية والعاطفية والإنسانية....

2

رواية صنع في العراق، تحمل رسالتها من إيحاء العنوان، الذي يحيلنا إلى استغراق في الأحداث عبر عقود مريرة عاشها العراق وأبناؤه الذين صار الوجع ماركة مسجلة باسمهم، ومع هذه الدلالة التي تمثل عتبة قرائية أولى، يبدأ السؤال عما ذهبت إليه الكاتبة في عملها الجديد الذي بين أيدينا والصادر مؤخراً عن دار الجمل، التي عودتنا على تقديم الأعمال النادرة والتي تمتلك مغايرة للسائد، ولعل هذه الرواية من الروايات العراقية التي تنتمي بجدارة للمنجز الروائي المتقدم، فنياً وجماليا...وهي حتماً إضافة نوعيّة للسردية العربيّة....

لا تخضع الرواية بأسلوب خطابها "الراوي العليم" إلى الواقعيّة المباشرة , رغم أنها نسجت من طين الواقع ومحن الحياة وصميم وجع التجربة العراقية, لكنها عبرت إلى الضفة الأخرى لرسم لوحة ذات وقع أشدّ من خلال الهواجس الإنسانيّة التي تمزج الواقع بالخيال والحلم بالحقيقة من أجل إعطاء الحدث سمة الأسطورة دلالة على شدّة التأثير " ذات صباح استيقظت على صوت لم تعتده، ستبحث عن مصدره , حالما تفيق جيداً، ارتدت مئزرا ولبست جواربها، وصلت إلى مدخل المنزل وجدت بسطارا في طريقها، وضعت قدميها فيه وخرجت متوجهة إلى الحديقة باحثة عن ذلك الصوت الذي كان يناديها.. "

هذا المشهد جاء بعد رصد مؤلم للحالة التي استهلّت بها الرواية وهي مشهد الموت والوصف الدقيق  لأجواء المستشفى وكيفية التعامل مع الجثّة "للزوج أوليفر" الذي رفعت "نور" لافتة  الإعلان عن هويّته على الرغم من أنه توفي في بلد أجنبيّ, وحصل ما حصل من طقوس شديدة المهابة والتقديس واحترام اللحظة التي شهدت هذا الحدث.

وبعد صدمة الفراق والوحدة التي شهدتها الزوجة تتعرّض إلى رؤى عجائبيّة تتضح بالإيحاء إليها من خلال ما أشرنا إليه في استيقاظها ذات صباح, حتى وصولها إلى " هناك على الضفة المقابلة خيّل لها أنه واقف، ظلّ لا يمكن الإمساك به، هو كما لم تره من قبل، كأنه خرج من طيات الحكاية، لا ليعود، بل ليراها تدخل عالمه هذه المرة، فاجأتها غيمة كبيرة لتنقعها بخرافاتها" ..هذه الرؤية تحيلنا إلى الهاجس النفسي للبطلة وهي تصارع ما حصل واقعاً وتخيّلاً, تمويهاً وإقناعاً, وهذا الرصد الشيّق الدقيق الذي يُبنى وكأنه حركة كاميرا سينمائيّة تتابع الأشكال بحياديّة سرد, ومهارة تأثير, لاشكّ أنها تحمل موسيقى تصويريّة معبّرة عن أجواء المشهد والحركة فيه بذهول ذهنيّ وتجوال كأنه سباحة في فضاء هلاميّ ...

هذه الرؤى تمنح السرد إيقاعاً جماليّاً وإحساساً نفسيّاً يجعل المتلقّي     

سائراً في ملامح أسئلة تحققها الرواية وهذه الأسئلة تشرك المتلقّي في رسم ملامح الحدث لأنه جاء مقنعاً في رصده...

3

في العمل الروائي الحديث, لا يخضع السارد لنظام تتابع زمنيّ في نسج الأحداث, كي لا تغدو الرواية حكاية تعطي نفسها بسهولة وتحقق رسالتها المحدّدة بأسلوب بسيط, يجعل منها متاحة لأيّ قارئ, نعم, القارئ العادي يجب أن لا يهمل, ولكن عليه أن يعيد تشكيل  ملامح العمل الروائي من خلال ما يوحي به ويشير إليه لتكون الرسالة ذات أبعاد مختلفة, وهذا هو الذي فعلته المبدعة ميسلون فاخر, التي أطلقت عنوان روايتها الماكر حقا" صنع في العراق" لتأخذ المتلقّي معها إلى آفاق يختلف التعامل معها من فرد لآخر, حتى عند الدخول المبكّر لصالة المستشفى, والبدء من النهاية, لتعود إلى الاستغراق في مراجعة تفاصيل حياة بطلتها" نور"  .." كلّما ظنّت أنها شيّدت على الخراب جداراً صغيراً من أمان، جاءها من الذاكرة حجر يسقط فوقها فتهوي من جديد" ما أبلغ هذه العبارة وما أغناها في التعبير عن مأساة كاملة في كلمات معدودة لا شكّ أنها صنعت في العراق, هذا البلد المبتلى دوماً بالفقدان والهرب إلى الشتات وفصول المعاناة التي لم يعشها أبناء أي شعب غيره, ما أقسى ذاكرة العراقيين, وما أعمق الوجع الذي فيها, حدّ أنها تهدم أيّ إحساس بالأمان ... هكذا إذن توصف نور" بعد ستة عشر عاماً من الزواج من أوليفر، عاشت معه أعوامها الأجمل والأكثر هدوءاً، تحمّل كلّ نزقها وروحها القلقة التي التقاها في محطة المترو المركزية بعدما قدمت من سوريا " ...

من هنا تنطلق مثابات الأزمة, لا بوصفها تقاطع هويّات, أو اختلاف أنماط حياة, بل هي فتح نافذة واسعة على حقول تحترق, هي نافذة الماضي, الذي جعل من الأحلام مأوى للخوف, وجعل منا نحن – العراقيين- كائنات مضمّدة حالما ترفع عنها الضماد تداهمك بالنزف, جميعنا يقول بأسى : لم نخلق للهدوء والراحة, بل للمعاناة والخوف والذهول من كلّ حالة مضيئة حتى وإن كانت عن طريق ابتسامة محبّ...

في الرواية إشارة للسوء الذي عصف بمجتمعاتنا, حتى أننا حين نواجه عملاً سيئاً نقول لقد جلبه لنا " إبليس" الذي لا نصدّق أنه "يصل إلى دول الشمال"....

لم تكن ميسلون فاخر, في وصفها للحدث وبناء الشخصيّات والسرد المتقن, راصدة محايدة, بل كانت رائية بمجهر الوجع, وهي تشكّل لوحة أنثى وامرأة تجوب الآفاق وهي تعيش الموسيقى بسمفونيّة تعبير شجنها, تسعى لقول أشياء عديدة, تستند إلى جذور الألم, بلغة رشيقة وأسلوب متقن ...

تحية التقدير والاعتزاز للروائيّة المبدعة ميسلون فاخر التي تواصل عطاءها الجدير بالاهتمام وتقدّم لنا دائماً أمالاً سرديّة جديرة بالعناية والدرس والاحتفاء .     

المشـاهدات 23   تاريخ الإضافـة 12/07/2026   رقم المحتوى 72141
أضف تقييـم