"التراجيديا الملهمة بالأمل القادم" ..قراءة في المجموعة القصصية "ورد السماء"![]() |
| "التراجيديا الملهمة بالأمل القادم" ..قراءة في المجموعة القصصية "ورد السماء" |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
عبد السادة جبار
• رولان بارت و«ورد السماء» قبل أن أشرع في كتابة هذه السطور، نحيت جانبا نظرية «موت المؤلف» لـ رولان بارت؛ إذ لم يستقم في ذهني فكرة قراءة هذه المجموعة بمعزل عن تجربة الكاتبة والتركيز على النص وحده، أو تغافل حضورها الشاخص بين السطور وأنا أتجول في فضاءات مجموعتها القصصية «ورد السماء»؛ فثمة دفق من مشاعرها، ونزف من تجربتها يعلنان عن حضورها الطاغي في العمل. إلا أن هذا الحضور لا يعني بالضرورة إقحام السيرة الشخصية على البناء السردي، أو اتخاذها أساساً للتقييم النقدي، كما لا يعني اعتبار السرد مجرد انعكاس مباشر للواقع أو مبرر للكتابة؛ فما أطرحه هنا لا يتعدى كونه انطباعاً نقدياً، ولا أدعو القارئ من خلاله إلى التنقيب في النص على هذا الأساس المعياري. بل أردت القول إن الكاتبة لم تكن تطل على الحياة من شرفة قصية لتنسج نصوصها وتفترض لشخصياتها مصائر متخيلة بعيدة عن الواقع؛ بل كانت شريكة فاعلة في تفاعلات هذا الواقع وأبعاده السيكولوجية، وفي صياغة الرموز والشاعرية المنبثقة من أتون المعاناة والواقع المرير والكاتبة، في إصدارها الثاني هذا، تؤكد أنها تخطت مرحلة البدايات أو الرغبة العابرة في تدوين الذات؛ إذ لو كان الأمر كذلك، لاستحالت هذه التجارب إلى نصوص سيرة ذاتية أو مذكرات عادية. لكنها حرصت على القالب القصصي لتمنح المعاناة الشخصية بعداً إنسانياً شمولياً، مستفزةً وعي القارئ ليلج هذا العالم المشترك الذي تتماهى فيه الذات بالموضوع. نعم، إنها تستفزه ولا تسعى لمجرد إمتاعه أو نيل إعجابه، بل تطمح إلى استخلاص وعي سردي مستدام يتسم بالعمق والأثر من رحم المعاناة. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الكاتبة لم تتكلف أسلوباً حداثوياً شكلياً تفتعل فيه التجديد لتبرير إغفال المعنى، فلم يطغَ المبنى لديها على جوهر المضمون. أما في الجانب الإنساني، فقد جسدت النصوص قيم المعاناة والتمسك بالحياة عبر صياغة فنية تحول التجربة القاسية إلى شجاعة في المواجهة؛ ولم يأتِ ذلك بأسلوب حكواتي تقليدي، بل تضافرت فيه الفانتازيا، والخيال، والكوابيس، والتحليق الإنساني، والواقعية الحديثة، وكأنها تتماشى في ذلك مع رؤية روجيه جارودي الحاسمة في نظريته «واقعية بلا ضفاف». • القصص تتضمن مجموعة «ورد السماء» ثمانياً وعشرين قصة تتوزع على محاور متعددة تشكل خيوطاً متصلة؛ وقد بدت لي ـ نظراً لتشابه المناخ السردي وطبيعة الشخوص ـ بمثابة متوالية قصصية ترصد أبعاد الهم العراقي؛ من وجع، وقلق، ومجهول، ومرض، ومفارقات قاسية، وحروب، وتراكمات نفسية. ومع ذلك، يظل السرد متمسكاً بالأمل، نائياً بنفسه عن النزعات العدمية واليأس التي تتبناها بعض الأساليب الغربية.ويقلدها بعض الكتاب عندنا. • اللامرئي تفتتح الكاتبة المجموعة بقصة «اللامرئي»، وهي قصة تدفع القارئ للإصغاء إلى سارد داخلي (فنان تشكيلي) يجد نفسه محاصراً بكائن خفي يعضه ويضربه على أنامله، كأنما يستهدف بدقة موطن موهبته وقدرته الإبداعية. لكنه يكتشف لاحقاً أن كائنات مماثلة تنتشر في البلاد محاصرةً الجميع بالترهيب والسلوك ذاته، وسط عجز السلطات عن حماية المواطنين أو دحر تلك الكائنات. ومع استمرار هذا الوضع، يتأقلم الناس مع الرعب، ويحدث تحول نفسي خطير يقودهم إلى إيذاء الذات؛ إذ يمارسون ضد أنفسهم ذات السلوك العدواني الذي مارسته الكائنات الخفية، وصولاً إلى النحات نفسه الذي ينتهي به المطاف بضرب أصابعه بالإزميل الذي يبدع به منحوتاته. إنها نهاية مشرعة على المجهول تشخص التحول من العدوان الخارجي المستتر إلى اعتلال نفسي ذاتي، وربما صراع متبادل. وتفتح القصة الباب أمام تأويلات شتى لواقع يرزح تحت تهديدات خارجية مستمرة، حتى يتولد في عمقه مرض يدفع باتجاه جلد الذات، في مظهر من مظاهر الماسوشية الجمعية. • سؤال البالونات البيض تحيلنا هذه القصة إلى مناخات الحرب، ولكن من منظور الطفولة وعبر سؤالها البريء: «ماذا تعني الحرب؟». ولأن الكبار يعجزون عن تقديم إجابة عقلانية تبرر معطيات حرب لا منطقية في جوهرها، فإنهم يتملصون من الإجابة بالقول: «لا تفكروا، بل العبوا». لكن الحرب لا تقف عند حدود مشاغل الكبار؛ بل تقتحم عالم الصغار وبراءتهم لتأتي الإجابة عملية وقاسية: بسلب حيواتهم، وتفجير بالوناتهم و بيوتهم، وتحويل فضاءات طفولتهم إلى ركام؛ تلك هي ردود الحرب على تساؤلات الطفولة. تضعنا هذه القصة وجهاً لوجه أمام مصائر أطفالنا وأسئلتهم التي نعجز عن فك شفراتها، لأننا ـ نحن الكبار ـ نخجل من الاعتراف بعجزنا، وبأننا مكبلون بقيود ذلك الوحش البشري الصنع المسمى "الحرب"، دون أن نمتلك القدرة على إقصائه عن تفاصيل حياتنا وحياة أطفالنا. • ورد السماء يبدو لي أن القصة التي تحمل عنوان المجموعة «ورد السماء» تمثل البؤرة المركزية والنص الأكثر حميمية لدى الكاتبة، ولعل هذا ما يفسر استهلالها بإهداء يقول: «إلى المولودة ظهيرة 12 آب 2003، الملهمة وصانعة الأمل سماء الأمير... قصة حياتها القصيرة». مما لا شك فيه أن (سماء الأمير) هنا ليست مجرد شخصية متخيلة، بل هي بطلة ملحمة إنسانية مريرة عاشتها الكاتبة الأم مع ابنتها الراحلة، ومن هنا تكتسب القصة صبغتها كتراجيديا تصنع الأمل. وهذا الوصف مستنبط من مفردات الإهداء نفسه: (الملهمة.. صانعة الأمل). أما السرد التابع للإهداء، فيترجم هذا الإلهام عملياً عبر مسيرة (سماء) القصيرة التي منحت الكاتبة طاقة الصبر والقدرة على الكتابة. ولم يقتصر هذا الإلهام على عتبة النص الأولى، بل تجسد سردياً في شخصية "ورد السماء" التي أخذت تبث الأمل في نفوس الآخرين وتداوي عللهم. وإن هذا البناء السردي الذي يتمازج فيه الواقعي بالفانتازي والشاعرية، هو سر براعة الكاتبة في الارتقاء بالحالة الذاتية وتحويلها إلى أفق موضوعي رحب. • صبي الإشارة الضوئية بالتأكيد، لا أدعي الإحاطة بجميع قصص المجموعة قراءةً، إلا أن هذه القصة استوقفتني ملياً وأعدت قراءتها مراراً. لقد وظفت الكاتبة الأسلوب البوليفوني (تعدد الأصوات) ببراعة في هذا النص الذي يمتد على ثماني صفحات؛ فلم يكن حضور الأصوات (السارد الخارجي، الأب، الابن، وصبي الإشارة الضوئية) مقحماً أو مفتعلاً، بل أسهم الجميع في صياغة الحدث، كلٌّ من وجهة نظره الخاصة وبشكل منفرد. ومن منظور نقدي شخصي، أرى أن هذه القصة تحمل بذور "رواية قصيرة" (نوفلا)؛ نظراً لثراء ثيمتها وتميزها وحاجتها إلى فضاء أوسع للنمو. إن تبادل الأدوار بين الصبيين عبر فكرة الحلم المبني على إهداء قصة، ثم تطور الأحداث نحو الخطف وطلب الفدية، وصولاً إلى بيع تلك القصة المهداة من أجل سد الرمق (سندويج)، يمنح الثيمة أبعاداً إنسانية مركبة تحفز القارئ على التأمل في واقع مضطرب تتقاطع فيه مصائر الصغار والكبار. وعلى الرغم من أن البوليفونية ليست طارئة على القصة القصيرة عموماً، إلا أنها تظل شحيحة في المشهد السردي القصصي العراقي، مما جعل توظيفها هنا توظيفاً موفقاً ومميزاً. • وأخيرًا في المجمل، أجد أن هذه المجموعة تمثل إضافة هامة للمكتبة والقارئ بمختلف مستوياته، شريطة أن تحظى بتوزيع وانتشار جيدين. ومن باب القراءة الفاحصة، أود طرح ملاحظتين بخصوص المجموعة: أولاهما: كنت أتمنى لو وزعت نصوص هذه المجموعة على كتابين يفصل بينهما مدى زمني؛ إذ إن ضم ثمانٍ وعشرين قصة في 140 صفحة قد يبخس بعض النصوص حقها ويضعف الأثر الكلي لهذا الجهد السردي، فضلاً عن أن القارئ قد يجد صعوبة في الحفاظ على ذات الوتيرة من التركيز على طول المجموعة. ثانيتهما: تتعلق بالغلاف؛ فرغم أن اللوحة التي تصدرته ـ وهي بريشة الفنانة الراحلة سماء الأمير ـ شكلت عتبة بصرية بالغة الأهمية، إلا أن اختيار الخط التقليدي للعنوان لم يتناغم كثيراً مع سريالية اللوحة، لا سيما وأن الكاتبة نفسها هي من صممت الغلاف، إلا إذا كانت هناك غاية دلالية معينة غابت عن قراءتي الشخصية. ختاماً، تجدر الإشارة إلى أن المجموعة صادرة عن دار السرد الروائي، بحجم متوسط، وتقع في 144 صفحة، وتمثل المجموعة القصصية الثانية في مسيرة الكاتبة |
| المشـاهدات 26 تاريخ الإضافـة 12/07/2026 رقم المحتوى 72143 |
أخبار مشـابهة![]() |
أفق اللغة وتحريك الواقع الحسيّ في (لغة بأعضاء داخلية)
|
![]() |
صنع في العراق....
رواية الوجع المزمن ..والرسالة الإنسانيّة النبيلة |
![]() |
اللغة العربية في الفضاء الرقمي... تحديات الحضور وفرص المستقبل
|
![]() |
هندسة الأرواح في ساحة المعركة: السرّ النابليوني الذي جعل الكلمة تزن فيلقاً عسكرياً
|
![]() |
نوسكوفا تضرب موعداً مع موخوفا في نهائي ويمبلدون
|
توقيـت بغداد









