الخميس 2026/7/30 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 35.04 مئويـة
نيوز بار
قراءة نقدية في الفيلم الوثائقي ( العراق في أشلاء ) للمخرج الأمريكي جيمس لونغلي
قراءة نقدية في الفيلم الوثائقي ( العراق في أشلاء ) للمخرج الأمريكي جيمس لونغلي
سينما
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

هادي ماهود

اعتمدت هذه الدراسة التي سأنشرها هنا في حلقات على مشاهدة فاحصة ومتكررة للفيلم، بوصفه نصًا بصريًا مفتوحًا على مستويات متعددة من القراءة والتأويل. واستند التحليل إلى الأشكال الستة للفيلم الوثائقي التي صاغها الناقد الأمريكي بيل نيكولز، بوصفها إطارًا نظريًا ومنهجيًا لقراءة الخطاب الوثائقي وتحليل بنيته السردية والجمالية. ولم يقتصر البحث على تحليل النص الفيلمي فقط بل استفاد أيضًا من حوارات ومراسلات مباشرة أجريتها مع المخرج الأمريكي جيمس لونغلي، أتاحت الوقوف على رؤيته الإخراجية، وخلفيات إنتاج الفيلم، وفلسفته في بناء الصورة الوثائقية، الأمر الذي عزز من قراءة الفيلم وربطها بمقاصد صانعه دون أن يجعلها أسيرة لها.   

                                                                                                                                             

شكل الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 نقطة تحول مفصلية في تاريخ البلاد، لم تقتصر آثارها على البنية السياسية، بل امتدت إلى المجتمع والثقافة والفنون، لتصبح مادة خصبة لعدد كبير من الأفلام الوثائقية التي سعت إلى فهم العراق الجديد، أو تفسير التحولات العنيفة التي رافقت انهيار الدولة وصعود قوى اجتماعية وسياسية جديدة. وبين عشرات الأفلام التي تناولت تلك المرحلة، يبرز فيلم (العراق في أشلاء) للمخرج الأمريكي جيمس لونغلي بوصفه واحدًا من أكثر الأعمال السينمائية عمقًا من الناحية الجمالية، وأكثرها ابتعادًا عن التناول الإخباري المباشر       

                                                                               

لم يكن لونغلي صحفيًا يبحث عن سبق إعلامي، ولم يدخل العراق برفقة قوة عسكرية أو فريق تلفزيوني ضخم، بل جاء وحيدًا يحمل كاميرا رقمية صغيرة، ليعيش بين العراقيين عامين كاملين، مراقبًا تفاصيل حياتهم اليومية، ومحاولًا أن يفهم العراق من الداخل، لا من خلال الخطابات السياسية أو البيانات العسكرية، وإنما عبر البشر الذين وجدوا أنفسهم في قلب التحول التاريخي.                                                                       

تكمن فرادة الفيلم في أنه لا يقدم تفسيرًا سياسيًا للأحداث، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يبني رؤيته عبر الصورة، والإيقاع، والصوت، والعلاقة الحميمة التي تنشأ بين الكاميرا والشخصيات. لذلك فإن قيمته لا تتحدد بكمية المعلومات التي يقدمها عن العراق، وإنما بالطريقة التي يعيد بها تشكيل الواقع سينمائيًا، محولًا التفاصيل اليومية إلى لغة بصرية ذات بعد شعري وتأملي.        

                                                                     

وتزداد أهمية هذا المنهج إذا ما عرفنا أن لونغلي درس السينما في المعهد الحكومي السوفيتي للسينما في موسكو، وهو أحد أهم المعاهد التي أسهمت في تشكيل تقاليد السينما الروسية، ولا سيما في مجال الفيلم الوثائقي. وقد انعكس هذا التكوين بوضوح على أسلوبه الإخراجي، سواء في اعتماده اللقطة الطويلة، أو في توظيف المونتاج بوصفه أداة لإنتاج المعنى، أو في إيمانه بأن الصورة ليست مرآة للواقع، بل وسيلة لإعادة اكتشافه.                                                                                                                                          

 وقبل إنجازه العراق في أشلاء كان لونغلي قد أخرج فيلمه الوثائقي قطاع غزة، الذي تناول الحياة اليومية للفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي. ويكشف هذا الامتداد الموضوعي اهتمام المخرج بالمجتمعات التي تعيش تحت ضغط الاحتلال والحرب، وبالأفراد الذين يحاولون المحافظة على إنسانيتهم وسط العنف والفوضى.   

                                                                                                                                  

لا تنطلق هذه الدراسة من سؤال ماذا يقول الفيلم عن العراق؟ وإنما من سؤال آخر أكثر أهمية كيف يقول الفيلم ما يريد قوله؟ أي كيف تتحول اللغة السينمائية إلى أداة لبناء المعنى؟ وكيف يستخدم لونغلي الكاميرا، والمونتاج، والصوت، والإيقاع، والرموز البصرية، لإنتاج خطاب يتجاوز التوثيق المباشر نحو قراءة شعرية للواقع العراقي؟.    

المشـاهدات 12   تاريخ الإضافـة 30/07/2026   رقم المحتوى 72658
أضف تقييـم