السبت 2026/10/10 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 25.95 مئويـة
نيوز بار ›
قراءة تفكيكية في قصيدة (هو) للشاعر المصري محمد القاضي
قراءة تفكيكية في قصيدة (هو) للشاعر المصري محمد القاضي
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب ناصر أبوعون
النـص :

أولًا – قصيدة (هو) للشاعر المصريّ محمد القاضي:[على شطِّه المَنْسِي أَمْلَى/ حَدِيثًا شَجِيًّا بكاهُ الورقْ- وحيدًا على كل دربٍ مشاهُ/ وقد أنكرته الخُطَى والطُّرقْ- هو النَّاي لمَّا تغنَّى حزينًا/ وقد راقصاه الظَّمَا والعَرَقْ- هو الضوء لما تنحَّى جريحًا/ وألقى لواءً طواه الشَّفقْ- هو الظِلُّ في كامنِ الرُّوحِ يحيا/ بعيدًا بعيدًا وراءَ الأُفقْ- رَمَتْه الأماني بفجرٍ بعيدٍ/ وليلٍ عصيَّ الأسى والأرَقْ- وقد ظنَّ أنَّ الذي حَارَ ينجو/ إذا ما لُبَابُ التَّمَنّي طَرَقْ- تمنَّى وأنَّى له مِن نَجَاةٍ/ وسَهْمٌ رمَاه وأَمْرٌ سَبَقْ- سيمضي بعيدًا إلى حيثُ يُنْسَى/ ويَنْسى ضجيجَ الرِّضَا والقَلَق- سيخبو وحيدًا كمَا كان لمَّا/ تبدَّى الضياءُ له فانْطَلَقْ- وداعًا وداعًا ولا تَبْكِ يومًا/ هُرَاءَ المَرَايَا و زَيْفَ الألقْ].

ثانيًا – قراءة تفكيكية للقصيدة: الشاعر محمد القاضي إنسان معجون في طين أرض الصعيد الأبيّة المعطّرة بالكبرياء، لم تلوِ ذراعه الدنيا، ولم يطمح يومًا في بقعة ضوء سائلة، ولم يقف على أبواب الناشرين ولا يستعطف حرّاس البوابة في الصحف الورقية مستجديًا نشر قصيدة، واكتفى أن يكتب لنفسه والتاريخ وعشّاق الشعر، وكفى به شاعرًا يحتفي بالقصيدة ويربِّت على كتفيها.. لقد ترك محمد القاضي الضمير (هو) مُعلّقا في فضاء التأويل، ولم يُصرّح بالاسم الذي يعود عليه الضمير، ومن ثَمَّ لا نستطيع القطع بأنّ الضمير (هو) ذاكرة؟ أم شاعر؟ أم إنسان؟ أم ذات الشاعر نفسه؟ أم رمزٌ لكائن يجمع كل هذه الاحتمالات وأكثر. وبناءً عليه فإنّ هذا الغموض قد تحوّل إلى قوة مولِّدة للمعنى، ولذا إذا حاول كل قاريء تثبيت مرجعية محددة للضمير (هو) جاءت صورة شعرية جديدة لتدفعه إلى تأويل مختلف.

وفي محاولة تفكيكية وتحرير القصيدة من سُلطة محمد القاضي إيمانًا برؤية رولان بارت (موت المؤلِّف) علينا ألَّا نسأل بسذاجة ماذا أراد الشاعر أن يقول؟ بل السؤال الأجدى هو: ماذا قالت لنا اللغة وهي تتحرّك داخل طبوغرافيا القصيدة؟

وإذا ما وضعنا دائرة ضوئية حول الضمير (هو) سنكتشف أنه لا يشي لنا بالمعنى النهائيّ؛ وذلك لأنّ القصيدة تعيد تعريفه برؤية جديدة في كل مقطع شعريّ؛ فـ[هو النَّاي لمَّا تغنَّى حزينًا]، ثم:[هو الضوء لما تنحَّى جريحًا]، ثم[هو الظلُّ في كامنِ الروحِ يحيا] فنراه ينتقل من (الإنسان)، إلى (الناي)، إلى (الضوء)، إلى (الظل)؛ وبالتالي ينفلت (المرجع) من قبضة (الاسم)، فلو كان الضمير (هو) شخصًا محددًا، فإن اللغة سرعان ما تحوله إلى شيء آخر، وإذا كان شيئًا، فإن اللغة تمنحه خصائص الإنسان:[الناي يغني ويحزن/ الضوء ينسحب جريحًا/ الظل يحيا في الروح/ الأماني ترمي/ السهم يصبح قوة قدرية/ الشفق يطوي اللواء] ، وبناء عليه سنجد الأشياء تتبادل صفاتها مع الإنسان، ويتبادل الإنسان صفاته مع الأشياء. لنصل في نهاية الأمر إلى قناعة بأنّ (هو) ليس ذاتًا مستقرة، بل علامة لغوية تتحرك في فضاء القصيدة، وإنّ محاولة الإمساك به وتعريفه تعريفًا نهائيًّا ستنتهي بتعريف جديد يناقض التعريفات السابقة. وهذا يحقق ما يمكن تسميته بـ(الإرجاء المستمر للمعنى).

وإذا ما أعدنا النظر في (حركة الدوال وإرجاء المعنى) سنكتشف أحد عشر دالًّا مركزيًّا في القصيدة هي:[المنسي، الوحيد، الناي، الضوء، الظل، الأماني، الليل، النجاة، النسيان، يخبو، الوداع] وهذه الدوال تنبثق منها شبكة دلاليّة تتحرّك في فضاء القصيدة؛ فـ(المنسي) يحيل إلى الغياب، ثم يأتي (الوحيد) ليُعمّق الغياب، ثم يجيء (الناي) ليحوّل الغياب إلى صوت، ثم يأتي (الضوء) ليحوّل الغياب إلى حضور، ثم يجيء (الظل) ليُعيد الحضور إلى الغياب. فإذا ما تأمّلنا هذه الحركات الأربع:[غياب←صوت←حضور←غياب] سنكتشف أن القصيدة لا تسير في خط مستقيم من (الحزن) إلى (الخلاص)، بل تتحرك في دائرة من (الحضور والغياب)، بل إنّ كل علامة تحمل نقيضها داخلها، فـ(الناي صوت، لكنه صوت الحزن)، و(الضوء حضور، لكنه يتنحّى)، و(الظل غياب الضوء، لكنه يحيا)، و(الفجر وعد بالحضور، لكنه بعيد)، و(النجاة تُذكر في سياق استحالتها)، و(النسيان يبدو نهاية، لكنه لا يحدث إلا بعد أن يظل الماضي حاضرًا في الذاكرة) وبذلك لا يوجد معنى نهائي يمكن إغلاق النص عليه.

وعلى محور آخر سنجد (التَّناص) بوصفه خطابًا ثقافيًا ورمزيًّا يتحاور مع القاريء من داخل القصيدة، وهو حاضر في صورة شبكة من المفردات ذات حمولة دينية وثقافية نذكر منها:[الضوء والفجر والظلام والليل والنجاة والضياء واللواء]، وهي مفردات ذات صلة وثيقة بالتراث العربي والإسلامي ومرتبطة بثنائيات ضدية عديدة [الهداية- الضلال/ النور- الظلمة/ النجاة- الهلاك] والشاعر لا يستعملها على سبيل اليقين؛ فالضوء تنحّى جريحًا، والفجر بعيد، والنجاة لا يطالها، وهكذا يستدعي الشاعر خطاب النور والخلاص، ثم يقوّض قدرته على تحقيق الخلاص. ويظهر التناص مع الشعر العربي في قوله: [هو الناي لما تغنّى حزينًا] والناي هنا صوت الكائن الغائب. وهكذا تدخل القصيدة في حوار مع الموروث الشعري، خصوصًا شعر الحنين والغربة والرثاء لكنها تُزيح دلالاته التقليدية، لكن القصيدة لا تكرر هذه الرموز بصورة سكونية؛ إنها تعيد ترتيب وظائفها؛ فالليل ليس مجرد عتمة، بل: [ليلٍ عصيِّ الأسى والأرق]، والفجر ليس خلاصًا حاضرًا، بل: [فجرٍ بعيدٍ].

وعلى منحى آخر نصل إلى أقوى مناطق التفكيك في النص حيث نصطدم بـ(المفارقة اللامعقولة) وتعني وجود نقطة تصل عندها القصيدة إلى استحالة منطقية أو دلالية تمنع المعنى من الاستقرار؛ فقول الشاعر محمد القاضي [هو الضوء لما تنحّى جريحًا وألقى لواءً طواه الشفق]، فكيف يكون (هو الضوء)، ثم يكون في الوقت نفسه منسحبًا ومطويًا بالشفق؟، فالضوء يفترض الحضور، بينما التنحي يفترض الغياب. إذن: الضوء = حضور لكن الضوء = انسحاب. فلا تستطيع القصيدة إلغاء أحد الطرفين؛ لأنه يحتاج إليهما معًا.

كما يمكننا تقسيم القصيدة إلى مستويين: أمَّا المستوى الأول، فهو (بصيرة القصيدة)، وهي اللحظات التي تبدو فيها القصيدة واعيية بتناقضاتها. مثل:[هو الظلُّ في كامنِ الروحِ يحيا] فهنا تُدرك القصيدة، بصورة شعرية، أن الغياب يمكن أن يكون أكثر حضورًا من الحضور نفسه. ثم يأتي المستوى الثاني ، ويُعرَف بـ(عمى القصيدة) ويظهر هذا المستوى حين تحاول القصيدة تثبيت معنى لا يستطيع تثبيته. مثلاً:[وداعًا وداعًا ولا تبكِ يومًا - هراءَ المرايا وزيفَ الألق] فالقصيدة تريد حسم موقفها من الأشياء: المرايا هراء، والألق زيف؛ لكن هذه الأشياء نفسها كانت جزءًا من جهازها الشعري: [الضوء، الشفق، الفجر، الضياء، الأفق، المرايا، الألق]، فالقصيدة لا تستطيع التخلص من اللغة التي تنتقدها. إنها تقول إن (الألق) زائف، لكنها لا تستطيع أن تتحدث عن الزيف إلا من خلال الألق.

وفي خاتمة القصيدة يقول الشاعر محمد القاضي: [وداعًا وداعًا ولا تبكِ يومًا- هُرَاءَ المَرَايَا وزَيْفَ الألقْ]، يبدو للقاريء أن القصيدة تصل هنا إلى حكم نهائي: [المرايا = هراء/ الألق = زيف/ الماضي = ينبغي وداعه/ البكاء = لا معنى له] لكن هذا الحكم سرعان ما يتعرّض للتقويض. فـ(المرايا) هي أداة انعكاس؛ والقصيدة نفسها تقوم على انعكاسات متتالية: [الإنسان/الناي- الضوء/الظل- الفجر/الليل- الحضور/الغياب- الذكر/النسيان. والمرآة، بهذا المعنى، ليست خارج القصيدة، بل هي البِنية العميقة للقصيدة نفسها. أما (الألق) الذي يوصف بالزيف، فقد أمضت القصيدة كلها في صناعة صور الضوء والضياء والشفق والفجر. إذن القصيدة تقول: الألق زائف لكنها لا تستطيع أن تقول ذلك إلا باستخدام الألق الشعري نفسه. وهنا يبلغ التفكيك ذروته: النص يهدم الوسيلة التي بنى بها نفسه.

ويمكن صياغة النتيجة الأساسية للتحليل في العبارة الآتية: قصيدة «هو» نصٌّ يقوم على محاولة البحث عن ذات غائبة، لكنه كلما حاول تحديد هذه الذات حوّلها إلى استعارة جديدة، وكلما اقترب من تثبيت معناها أعاد تأجيله؛ ولذلك فإن الهوية في القصيدة ليست جوهرًا ثابتًا، وإنما أثرٌ يتشكل من خلال اللغة، ومن ثَمَّ فإن (هو) لا ينتهي في نهاية القصيدة؛ بل يظل حاضرًا بوصفه غيابًا. وعليه، فإن مركز القصيدة ليس (هو) نفسه، بل استحالة معرفة مَن هو.

 

 

 

 

المشـاهدات 98   تاريخ الإضافـة 10/10/2026   رقم المحتوى 72711
أضف تقييـم