الأربعاء 2026/10/14 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غيوم متفرقة
بغداد 23.95 مئويـة
نيوز بار ›
معادلة الدينار العراقي والدولار…بين فكّ التضخم ورهان الإصلاح
معادلة الدينار العراقي والدولار…بين فكّ التضخم ورهان الإصلاح
رأي الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب محمد حسن الساعدي
النـص :

يقف الاقتصاد العراقي عند مفترق طرق حرج للغاية، حيث تتداخل التحديات الماليّة والهيكليّة لتشكل مشهداً معقداً يؤرق الشارع ويثقل كاهل المواطن،وتبرز قضية انخفاض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار الأمريكي كواحدة من أكثر الأزمات حرجاً وتأثيراً في صلب الحياة اليومية والمعيشية، إذ إن المتتبع للمسار المالي يدرك أن هذا التراجع لم يكن وليد المصادفة، بل وجد جذوره في اختلالات هيكلية تراكمت عبر عقود، مترافقة مع اعتماد كلي وشبه مطلق على الإيرادات النفطية الريعية التي تجعل الموازنة العامة للبلاد تحت رحمة التقلبات والتذبذبات السعرية في الأسواق العالمية.الأعوام الأخيرة شهدت عدة قرارات وسياسات نقدية تهدف إلى إعادة ضبط الإيقاع المالي وتضييق الفجوة بين السعر الرسمي للصرف والسعر السائد في الأسواق الموازية وعلى الرغم من أن المقاربات الحكومية صممت في جوهرها لحماية الاحتياطي النقدي الأجنبي وتقليل الهدر وتسريب العملة، إلا أن التطبيق الميداني اصطدم بواقع اقتصادي هش، إذ يعتمد بشكل شبة كامل على الاستيراد لتلبية الاحتياجات الأساسية واليومية للمواطنين،ونتيجة لضعف القاعدة الإنتاجية المحلية في القطاعين الزراعي والصناعي،يتحول كل ارتفاع في سعر صرف الدولار فوراً إلى موجة تضخمية عاتية تأكل الأخضر واليابس وتتسبب في تآكل القوة الشرائية للدينار بشكل ملحوظ.العواقب الاقتصاديّة والاجتماعيّة الناجمة عن انخفاض قيمة الدينار العراقي تتجاوز حدود الأرقام والبيانات المصرفية الرسمية لتلامس مباشرة تفاصيل العيش اليومي للشرائح الفقيرة والمتوسطة، فقد أدى ارتفاع أسعار السلع الغذائية والمواد الاستهلاكية والأدوية إلى زيادة معدلات الفقر وتوسيع دائرة الحرمان، فضلاً عن تعميق الفوارق الطبقية داخل المجتمع، كما ان الأزمة أسهمت في خلق حالة من عدم اليقين والارتباك لدى الأسواق المحلية والتجار، مما تسبب في انحسار الاستثمارات وزيادة الركود التجاري، حيث يفضل الكثيرون الاحتفاظ بأموالهم أو تهريبها إلى ملاذات آمنة بدلاً من ضخها في مشاريع إنتاجية في ظل تذبذب العملة وعدم استقرار أسعار الصرف.من جانب آخر، تعكس هذه الأزمة تحدياً هيكلياً يتعلق بنظام الامتثال المالي والرقابة على حركة الأموال والتجارة الخارجية.وبالرغم من الجهود المبذولة لتطبيق معايير الشفافية الدولية وحوكمة التحويلات المالية عبر المنصات الإلكترونية، رغم أهميتها الضرورية لحماية النظام المصرفي من الشبهات، الان ان الأزمة كشفت عن حجم الهشاشة التي يعاني منها القطاع الخاص غير المنتظم وقد أدى هذا التحول إلى إحداث مضاربات حادة في السوق السوداء، أثقلت كاهل الاقتصاد واستنزفت جزءاً كبيراً من السيولة المتاحة، وسط محاولات مستمرة من قبل حكومة علي الزيدي للسيطرة على المضاربين والمتلاعبين بالأسعار.معالجة هذه الأزمة تستوجب رؤية اقتصادية شاملة وتشاركية لا تقتصر على الحلول النقدية والمصرفية الترقيعية المؤقت، فيما إن الحل الحقيقي والأصيل يكمن في إطلاق إصلاحات هيكلية جادة تعمل على تنويع مصادر الدخل القومي وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي وتفعيل القطاعات الإنتاجية المعطلة كالصناعة والزراعة والسياحة، كما يتطلب الأمر حماية الطبقات الهشة عبر تفعيل شبكات الأمان الاجتماعي وضبط منافذ الحدود والسيطرة على حركة التجارة الخارجية لمنع التهريب والمضاربة، وصولاً إلى بناء اقتصاد قوي ومستدام قادر على الصمود أمام الصدمات المالية الخارجية وحماية القوة الشرائية للمواطنين.كذلك معالجة أزمة سعر الصرف واستقرار الدينار العراقي تتطلب الذهاب إلى ما هو أبعد من التدخلات النقدية المؤقتة، والانتقال نحو رؤية إصلاحية شاملة تعالج الجذر الهيكلي للمشكلة وتضمن حماية الاقتصاد الوطني من الصدمات الخارجية.الخطوة الأولى لتفعيل القطاعات الإنتاجية المعطلة كالصناعة والزراعة من خلال تقديم تسهيلات ائتمانية وقروض ميسرة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، مما يسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد الشديد على استيراد السلع الأساسية بالدولار، ويرافق ذلك إصلاح شامل للبيئة الاستثمارية والتشريعية وتبسيط الإجراءات الإدارية لجذب رؤوس الأموال إلى القطاعات الحيويّة كالتكنولوجيا والسياحة والخدمات بدلاً من الاعتماد الكلي على الإيرادات النفطية.أما على الصعيد المصرفي والمالي، تبرز أهمية تطوير القطاع البنكي وتوسيع الشمول المالي عبر تشجيع التعاملات الرقمية والدفع الإلكتروني للحد من الاكتناز النقدي خارج النظام المصرفي الرسمي. كما يتوجب تسهيل اندماج التجار الصغار والمتوسطين في منصات التحويل الخارجي الرسمية للحصول على الدولار بالسعر الرسمي، مما يقلل الطلب في السوق الموازية ويحد من ارتفاع الأسعار.يتطلب ضبط حركة الأموال أتمتة كاملة للجمارك والضرائب والمنافذ الحدودية لفرض السيطرة على التجارة الخارجية والحد من التهرب والتهريب، مع توجيه عمليات الاستيراد نحو المواد الأولية والسلع الضرورية بدلاً من الكماليات التي تستنزف خزين البلاد من العملة الصعبة.أما على المستوى الاجتماعي، فتتحقق حماية الطبقات الفقيرة ومتوسطة الدخل من خلال تحسين شبكات الأمان الاجتماعي وتطوير مفردات السلة الغذائية للتخفيف من حدة التضخم، إلى جانب دراسة ربط أجور الحد الأدنى بمعدلات الغلاء المعيشي لضمان استقرار القوة الشرائية، لان ان اي نجاح يستلزم هذه المسارات مع وجود تنسيق وثيق بين السياسة المالية والنقدية، وتفعيل الرقابة الصارمة لملاحقة المضاربين والشركات غير المرخصة، وتوجيه الإنفاق الحكومي نحو الاستثمار الرأسمالي الذي يبني اقتصاداً مستداماً وقادراً على الصمود.

 

 

 

المشـاهدات 72   تاريخ الإضافـة 13/10/2026   رقم المحتوى 72871
أضف تقييـم