الثلاثاء 2026/10/20 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
نيوز بار ›
المحاصصة في العراق: من صيغة مؤقتة إلى بنية حكم..
المحاصصة في العراق: من صيغة مؤقتة إلى بنية حكم..
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب شاكر كريم عبد
النـص :

 

منذ إعادة هيكلة النظام السياسي في العراق بعد عام 2003، برز مفهوم "المحاصصة" (الطائفية والقومية والحزبية) كركيزة أساسية لإدارة الحكم وتوزيع السلطة. ومع أن هذا المفهوم طُرح في البداية كصيغة توافقية مؤقتة لضمان مشاركة الجميع وطمأنة المكونات المختلفة، إلا أنه تحول مع مرور الوقت إلى بنية هيكلية عميقة وتجذر في مفاصل الدولة. واليوم، يثور تساؤل جوهري في الأوساط السياسية والشعبية حول مدى قدرة القوى السياسية النافذة على تجاوز هذا النظام، أم أن استمرار وجودها في السلطة بات رهناً ببقائه  وتعميقه؟ حيث تُجمع العديد من القراءات التحليلية للمشهد العراقي على أن بقاء المنظومة السياسية الحالية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنظام المحاصصة، وذلك لأنها تشكّل الشريان المالي والوظيفي للأحزاب من خلال تقاسم الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة (الوكلاء والمدراء العامين)، حيث تُستغل موارد الدولة لتمويل الماكينات الحزبية وتثبيت القواعد الجماهيرية عبر التعيينات والمحسوبية. فضلاً عن ذلك، تعاني البيئة السياسية من ضعف الثقة المتبادلة بين الكتل ،لذا ينظر كل طرف إلى التخلي عن صيغة المحاصصة على أنه تهديد وجودي قد يؤدي إلى إقصائه، مما يجعلها بمثابة "صمام أمان" متبادل لحماية المكتسبات.هذا الترابط الوثيق يخلق عقبات معقدة تجعل من الصعب على القوى التقليدية التخلي عن هذا النظام طوعاً؛ فالتحول إلى دولة المواطنة والكفاءة يعني تجريد هذه الأحزاب من خطابها القائم على الهويات الفرعية (القومية أو المذهبية) وسلاح التعبئة العاطفية الذي تعتمد عليه في المواسم الانتخابية. بالإضافة إلى ذلك، يتأثر النظام السياسي العراقي تاريخياً بالتوازنات الخارجية، حيث تجد الأطراف الدولية والإقليمية في صيغة المحاصصة وسيلة مرنة لإدارة مصالحها عبر حلفاء محليين يمثلون محاور معينة. وحتى عندما ترفع بعض القوى شعارات إصلاحية مثل "حكومة الأغلبية الوطنية" أو "التكنوقراط المستقل"، فإن التجربة العملية عند تشكيل الحكومات تظهر العودة دائماً إلى طاولة المفاوضات لتقاسم الحصص وفق الأوزان الانتخابية، مما يجعل تلك الشعارات أداة للضغط السياسي لا رغبة حقيقية في التغيير في المحصلة، يبدو أن تجاوز المحاصصة بكافة أشكالها يُمثّل "انتحاراً سياسياً" للقوى التي استمدت نفوذها وشرعيتها منه؛ مما يجعل خيار تجذير النظام هو الأقرب لضمان استمرارها في السلطة. بناءً على ذلك، فإن إحداث تغيير حقيقي نحو دولة المؤسسات والكفاءة لا يمكن أن ينبع من داخل المنظومة المستفيدة نفسها، بل يتطلب عوامل ضغط وتغيير خارجية؛ تتمثل في صعود نخب سياسية جديدة وعابرة للمكونات تمتلك برامج واقعية، وتعديلات دستورية وتشريعية حاسمة، فضلاً عن وعي مجتمعي مستدام يدفع باتجاه إصلاح شامل لقواعد اللعبة السياسية في العراق.

المشـاهدات 31   تاريخ الإضافـة 19/10/2026   رقم المحتوى 72967
أضف تقييـم