القرن الذي وُلد ميتاً
![]() |
| القرن الذي وُلد ميتاً |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب كتب رياض الفرطوسي |
| النـص :
في عام 1989 كتب أستاذ أمريكي مقالاً وضع في عنوانه علامة استفهام، ثم سقط جدار برلين فحُذفت العلامة من الأذهان قبل أن تُحذف من الورق. فرانسيس فوكوياما (مفكر أمريكي عمل في وزارة الخارجية ومؤسسة (راند) وأستاذ في جامعة ستانفورد أعلن (نهاية التاريخ)، أي أن الديمقراطية الليبرالية هي المحطة الأخيرة، وما بقي مجرد انتظار للقطارات المتأخرة.
ولم تبقَ الفكرة في الجامعات. فقد تلقفها منظّرو المحافظين الجدد، ومنهم روبرت كاغان (مؤرخ وكاتب أمريكي) الذي رأى أن الهيمنة الأمريكية وجه الأخلاق في السياسة الخارجية. وبعد هجمات 11 سبتمبر تحولت الفكرة إلى عقيدة رسمية تعلن أن ثمة نموذجاً واحداً للنجاح، فصار الرأي قراراً عسكرياً. وكان العراق من الأماكن التي جُرِّبت فيها هذه القناعة، ولم يكن مختبراً بالمعنى النظري، فقد دفعت بغداد ثمن التجربة من بيوتها ومن سنواتها.(فقد مرّت على البلاد سنوات طويلة من عدم الاستقرار والاحتقان والاقتتال، تأخر فيها البناء والتعليم والخدمات، وهي سنوات لا تُعوَّض في عمر جيل كامل).
والمؤرخون الذين قرأوا هذا المسار يتفقون على أن الحرب على الإرهاب لم تكن ذروة القرن الأمريكي بل استنزافاً له. بول كينيدي (مؤرخ بريطاني في جامعة ييل، صاحب صعود وسقوط القوى العظمى) سمّى ذلك (التمدد الإمبراطوري المفرط)، أي أن الدولة التي تتعهد بأكثر مما تحتمل تحفر قبرها وهي تظن أنها تبني قلعة. وأندرو باسيفيتش (عقيد أمريكي متقاعد وأستاذ التاريخ في جامعة بوسطن، فقد ابنه في حرب العراق) قال الشيء نفسه من داخل المؤسسة العسكرية. أما جوفاني أريغي (اقتصادي إيطالي، صاحب القرن العشرين الطويل) فلاحظ أن القوى المهيمنة، من جنوة إلى هولندا فبريطانيا، تنتقل من الصناعة إلى المضاربة المالية حين يبدأ خريفها.
ثم جاءت أزمة 2008 المالية فهزّت الإيمان بالعولمة نفسها، وبعدها انقسمت المجتمعات الغربية بين من استفاد ومن شعر أنه دُفع إلى الهامش. وبيتر تورتشين (عالم روسي أمريكي يدرس التاريخ بنماذج رياضية) يرى أن المجتمعات تضطرب حين تنتج نخباً أكثر من المناصب المتاحة، وحين تتآكل الطبقة الوسطى. وبهذا المنطق لا يكون صعود الغضب السياسي في أمريكا مفاجأة، فهو موعد تأخر ولم يُلغَ.
وأطرف ما في الحكاية أن صاحب الفكرة نفسه أصبح من أشد ناقديها. فقد قال في حوارات هذا العام إنه وقّع قبل غزو العراق على رسالة تدعو إلى إسقاط النظام (بشكل عابر) وندم على ذلك، وإنه يرى في الحرب الدائرة اليوم الخطأ نفسه، ووصف أمريكا بأنها قوة عظمى آخذة في الهبوط.
الحقيقة أن التاريخ لم ينتهِ ولم يرجع، بل تراكبت طبقاته. اقتصاد مندمج ومجتمعات منقسمة، تقنية تقرّب المسافات وهويات ترفع جدرانها، وأقوى جيش في العالم يعجز عن إقناع قرية في جبال أفغانستان. وحين يتقدم الجسد الواحد ويتراجع في آن واحد، يصبح السؤال عن الاتجاه سؤالاً ناقصاً.
أما نحن، في هذه المنطقة التي دفعت ثمن أحلام الآخرين مرتين، فالدرس أن لا نبني مستقبلنا على نبوءة تُكتب في عاصمة بعيدة، وأن نقرأ التحولات الكبرى قراءة من يريد أن يكون حاضراً فيها لا مفعولاً به. فالقرن الذي قيل إنه سيكون أمريكياً بلغ ربعه الأول وهو يبحث عن صاحبه، ومن لا يملك مشروعه سيبقى ينتظر أن يُكتب له واحد. |
| المشـاهدات 94 تاريخ الإضافـة 20/10/2026 رقم المحتوى 72976 |
توقيـت بغداد









