الخميس 2024/7/25 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 36.95 مئويـة
نص مسرحي.. حفار القبور
نص مسرحي.. حفار القبور
مسرح
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

عادل كاطع العكيلي

شخوص  المسرحية:

1-         الشيخ

2-         حفار القبور

3-         سائق التكسي

الخطاب المسرحي:

تدور الأحداث في المقبرة .. وقد وقف الشيخ قبالة شاهدة القبر لولده الذي استشهد في معارك الدفاع عن الوطن .. وقد قدم مصادفة حفار القبور في ذلك المساء الكئيب كي يهيئ قبراً لميتٍ بالقرب من هذا القبر وهو يسمع حديث الشيخ لولده وكأنه يسمع نجواه.

الشيخ: (يحدث قبر ولده بصوتٍ مسموع) ولدي العزيز ها هو اليوم وقد أكملت سنتك الأولى وقد حللت ضيفاً على بيتك الجديد أو قبرك المظلم،  سمه ما شئت (يصمت قليلا) أراك قد طاب لك البقاء هنا (صمت ثقيل) وأنا أربض هنا بجانبك كل هذه الشهور كالذئب الجريح.. وكأنني أسمع أنفاسك وأرى طيفك قد علا هذه الحجارة الصماء التي رُصفَت على قبرك بقسوة،(يصمت) ولدي العزيز هل تسمع ندائي؟! هل ايقظتك دموعي وهي تنهمر على قبرك منذ شهور خلت؟!

(يشيح بوجهه إلى المقبرة وهو يتأمل فضاءها المظلم الممتد أمامه) منذ أسبوعين لم تزرني في المنام؟ لماذا هذه الجفوة أيها الحبيب؟! هل هذا جزاء الوالدين؟! ألم يقل ربك في محكم كتابه المبين (وبالوالدين إحساناً) فهل هذا هو الإحسان؟

(يصمت ويمشي خطوات عن القبر) ولدي الحبيب أتذكر حينما عزمت أن تذهب إلى مطحنة الموت وقد التحقت بفتوى الجهاد الكفائي وأنت تردد على مسامعي (والدي الحبيب إن الوطن يناديني أن أهب لنجدته بعد أن استباحه الظالمون) هل تذكر ذلك حين التمستك توسلا ألا تذهب فأنت الوحيد الذي خرجت به من هذه الدنيا.(صمت ثقيل ويشرد بفكره بعيداً) وأظنني أراك قد نسيت كل هذا وقد توسد الترابَ جسدُك الطري، ولا أدري هل يجرؤ الدود بعدها أن يفتك بجسمك الناعم الرقيق..(صمت) ألم يقل المولى سبحانه وتعالى ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).

وقع أقدام قريبة  لحفار القبور وقد تقدّم من الشيخ بعد أن سمع مناجاته مع ولده الشهيد مسلماً عليه.

حفار القبور: (وقد وقف أمام الشيخ) السلام عليكم.

الشيخ: وعليكم السلام

حفار القبور: (متأثراً) أيها الشيخ الوقور من كنت تحدث بالله عليك في هذا المساء الفض الكئيب هنا بين القبور في مقبرة وادي السلام.

الشيخ: (من دون اكتراث) كنت أحدّث ولدي الشهيد أمير.

حفار القبور: (بدهشة ) شيخنا الفاضل إنّ ولدك الشهيد رقد رقدته الأبدية بسلام ..دعه يهنأ في منامه ولاتقلّب الأوجاع.. لقد اختار الله موتته شهيداً في سبيله ،فلماذا تأنبه على فراقك.

الشيخ: (وقد أطرق برأسه) آه ثم آه فليس لي طاقة على فراقه.. فقد رحل مبكراً ولم أتزود من رؤيته، فقد تلقفه (ملك الموت)  مني بأسرع من طرفة عين.

حفار القبور: (ينظر في وجهه مستعطفاً إياه) يا عم إنّ الأعمار بيد الله وكلنا سنموت يوم ما؟

الشيخ: (في حالة تأمل يغرق نظره في السماء والليل) هل تعرف مراتب العشق  أيها الرجل الطيب؟ (صمت) إن العاشق عندما يحب يختزل الزمان والمكان.. وتكون هذه الحفرة الصغيرة التي تلقفت من تحب روضة من رياض الجنة وأنا أراها هكذا كل يوم...كل يومٍ أوسد رأسي وأضع أذني عليها واستمع لما يجري بداخلها  وقد اطلعت على ما يجري لولدي هناك.

حفار القبور: (متعاطفاً) وماذا رأيت وسمعت؟

الشيخ: (جسده يرتعش ويضطرب وهو يتذكر ما يراه) كنت أرى ولدي فرحاً وقد أطمأن في مكانه الجديد.. وقد كان كثيراً ما يعودني في منامي أو في طيف عابر في خيالي.. طيفٍ يحدثني ويخبرني بأنه بخير.. وكأنه يترجاني أن اكفكف دموعي على فقده المرير(صمت).

حفار القبور: (متأثراً) ألم يكن هذا النداء كافياً كي تعود إلى أحبائك وقد هجرتهم هنا.

الشيخ: (وقد أشاح بوجهه إلى القبر) لا يطيب لي مقام في هذه الدنيا إلا هنا يا ولدي وقد عزمت أن أحفر قبري بجانبه كي احتضن رفاته بعد مماتي.

حفار القبور: (يحدثه بثقة) شيخنا الفاضل أراك وأنت بهذه الهيأة المهيبة وجلال القدر من المؤمنين بقضاء الله وقدره فكيف يكون ذلك وأنت تقبر نفسك في الدنيا قبل الآخرة.

الشيخ: (يجيب من غير وعي منه) وهل القرب بمن نحب هو موت مبكر لنا؟

حفار القبور:(يفكر لحظة) نعم.. هو كذلك إذا كان بهذه الطريقة.

الشيخ : (وقد بدا يمسح دموعه بكميه) كثيراً ما يأتني ويقول لي يا والدي لا تتركني وحيداً فقد ألفت وجودك ..كيف يا والدي تتركني في هذا القبر المظلم وحيداً وقد رافقتني الديدان والعقارب والافاعي .. والدي الحبيب أرجوك لا تدعني وحيداً فإنّ وحشة القبر وصمته وظلمته لا تطاق يا والدي.

حفار القبور: (وقد ندت من عينيه دمعة جامدة لا تسقط منه إلا في دهور طويلة ) يا عم لقد قطّعت نياط القلب بكلامك المفجوع بفراق ولدك الوحيد.

صوت سيارة تتوقف من بعيد وقد ترجل منها (سائق التكسي) أسمر البشرة وقد كان يهاتف حفار القبور قبل مجيئه كي يهيأ قبراً وقد قدم وبصحبته جنازة قد وضعت فوق سقف السيارة.

سائق التكسي: السلام عليكم

حفار القبور: وعليكم السلام.

الشيخ: وعليكم السلام.

سائق التكسي: (موجهاً كلامه إلى حفار القبور) أراك لم تبدأ الحفر بعد وقد هاتفتك منذ ساعة! ماالذي جرى وقد تسمرت هنا؟

حفار القبور: (موجهاً كلامه لسائق التكسي) نعم صحيح لقد هاتفتني ..ولكن الليل قد أرخى سدوله وهذه مشقة وصعوبة لنا ولم يتسنَ لي أن أصحب أحدهم برفقتي فهم لايعملون في المساء .. لأنهم يعملون على مدار النهار ..ينبشون ويحفرون القبور وقد أعياهم التعب.

سائق التكسي: (باحباط ظاهر) أغرهم بالنقود فأنا كفيل أن أغدق عليهم المال في حالة إنجاز المهمة (بدفن هذه الجنازة المحمولة على سيارتي) وقد إشار إليها بيده.

بدأ حفار القبور النبش بمعول كان في يده.. بدأ ينبش الأرض على مقربة من قبر ولد الشيخ.

الشيخ: (محدثاً سائق التكسي) ولدي عن أي جنازة تتحدث وأنت تقف هنا وحدك وقد ركنت سيارتك هناك .

سائق التكسي: (ينكمش على نفسه) نعم ياعم  فأنا حالياً سائق تكسي وجناز ومشيع لتلك الجنازة.

الشيخ: (بدهشة) وكيف يكون ذلك؟

سائق التكسي: (وقد زم شفتيه بتململ) في زماننا هذا كل شيء جاهز.

الشيخ: (والحيرة في عينيه) هل هو قريب لك؟

تمت إعادة توجبه رسالة بواسطة منذر

منذر عبدالحر

سائق التكسي: (يدور بعينيه في المكان) شيخنا الفاضل كان لا بدّ أن يتعلم أمثال هؤلاء منك وأن ينهلوا من مدرسة الوفاء التي تتحلى بها.

أكمل حفار القبور نبش القبر وأشار وأشارو إلى سائق التكسي كي يهموا بإنزال التابوت من أعلى سيارته.

سائق التكسي: (وقد أدار وجهه نحو حفار القبور) هل نستطيع أن نحمل هذا التابوت أنا وانت فقط من السيارة وأن نوصله الى هنا.

حفار القبور: (وهو ينفض التراب من يديه) نعم إذا ساعدنا هذا الشيخ الجليل.

الشيخ: (نهض واقفاً من مكانه) أنا لا مانع عندي وما هي إلا بضعة أمتار حتى نوصله إلى هنا حيث النومة الأبدية.

السائق التكسي: (وقد تقدم يفك الرابط من التابوت القابع فوق السيارة وهو يتمتم (لا حول ولا قوة إلا بالله) كل الجنائز تحمل على الأكتاف بأربع قوائم إلا هذا المسكين سوف يُرفَع على الأكتاف بثلاث قوائم.. وصدق الشاعر الذي يقول:

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته

                             يوما على آلة الحدباء محمول

آلة الحدباء هي تلك الأيادي التي ترفعه من أركانه الأربعة ولكني أراها في حالة هذا الميت قد فقدت إحدى أركانها بفعل هؤلاء الأولاد العاقين.(صمت ثقيل)

الشيخ: (يتمتم مع نفسه) تعساً لأولئك الأولاد الجاحدين وأظن هذا الرجل قد أفنى زهرة حياته من أجلهم فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان! (يصمت قليلا) لا حول ولا قوة إلا بالله.

يرفعوه بصعوبة من أعلى السيارة وقربوه شيئاً فشيئاً نحو القبر محمولاً على أكتافهم وقد كان الحفار من جهة وسائق التكسي والشيخ من الجهة الأخرى وقد وضعوه بجانب القبر.

حفار القبور: (وهو يهم بوضع الجثة في اللحد) هل تعلمون أن روح هذه الرجل الآن ترفرف فوق رؤوسنا وأراه ينظر بلوعة، فقد كان يرجو أن يرى أحباءه يبكون وينوحون عليه وها هو ينازع الغربة ووحشة القبر في أول يوم فيه فكم قضى الليالي وهو يسهر لأجل هؤلاء الناكرين للجميل .. وكأني أراه يمني النفس ان يتحلقوا حول قبره مفجوعين على فراقه وهم يهيلون التراب عليه بلوعة.

الشيخ: (صمت ثقيل) موقف رهيب وأنت ترى ذلك الجحود  متمثلاً بأولئك الأولاد الذين رحلوا والدهم الى رحلة النفي عن منازلهم الدنيوية وقد نسوا منازلهم الأبدية وأنهم سيقفون وقفة طويلة بين يدي جبار السموات والأرض.

حفار القبور: ( وهويهيل التراب على الجثة) أهيلوا معي رجاءاً ورددوا معي هذا النداء، عسى أن يرحمنا الله برحمته ونحن ندعو لهذا الغريب وقد حل ضيفا ثقيلاً هنا في هذه المقبرة المظلمة والمفزعة والتي لا تطاق على النفس.

يقف الثلاث وقد توجهوا حيث اتجاه القبلة يدعون ويصلون على روح الميت صلاة الجنازة من وقوف.. وقد كان هذا المتوفي يمني النفس أن يقف على جنازته ويصلي عليه من أحبائه وأبنائه الذين أفنى حياته من أجلهم ولكن أنّى له ذلك وقد قُبَر هنا في هذه الحفرة حتى يأذن الله.

أتّم الثلاثة الصلاة والدعاء وانسحبوا من هناك مطأطأي الرؤوس يرجون الله أن يرحم هذا المسكين الغريب برقدته الأبدية

إظلام وستار

 

 

المشـاهدات 586   تاريخ الإضافـة 02/05/2023   رقم المحتوى 20092
أضف تقييـم