الجمعة 2024/6/14 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 30.95 مئويـة
نصيحة للأشقاء والأصدقاء... حسن الجوار وليس ابتلاعنا
نصيحة للأشقاء والأصدقاء... حسن الجوار وليس ابتلاعنا
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب حسين فوزي
النـص :

عند دمج البريطانيين المنتصرين لولايتي البصرة وبغداد لإقامة دولة العراق التي الحقت بها رسمياً عام 1923 ولاية الموصل، كان زعيم وملك الدولة الفتية يعي مستلزمات بناء دولة مستقرة تقوم على السعي لرخاء شعبها أو بالأقل تحسين مستواه في جميع متطلبات الحياة: المعيشية والصحية والتعليمية والثقافية.ومن منطلق قائد خاض المعارك ميدانياً ضد الدولة العثمانية، وعاش قبلها مع حاكم سوريا العثماني أحمد جمال باشا، جمال السفاح حسب شهرته عربياً، فشخص قيمة العلاقة بالمواطنين نتيجة عزلة السفاح بسبب قمعه الدموي، بالأخص النخب، لذلك قرب الكثير من الشخصيات التي كان لها رأي في عرشه، ضمنهم الشاعرين الكبيرين محمد مهدي الجواهري ومعروف الرصافي، من ناحية أخرى حرص المؤسس على تجنب التوتر مع الجيران، كبارهم تركيا وإيران والسعودية، وصغارهم الكويت والأردن.لكن الدولة العراقية الفتية بدأت تتعرض لهزات متصاعدة القوة، بدايتها مباشرة بعد وفاة مؤسس الدولة فيصل الأول، وتولي الشاب الفتي فائق الحماس غازي العرش، شأنه شان ابن عمه طلال في شرق الأردن، فكلاهما لم يستوعبا ركائز الدولة العراقية داخلياً وتوازنات القوة الإقليمية والدولية، فكانت المذابح التي قادها الانقلابي فيما بعد الفريق بكر صدقي في شمال العراق وجنوبه. وتحول قصر الزهور إلى محطة تحريض ضد شيوخ الكويت والدعوة لالتحاقه بـ "الأصل".

 

الجوار وموازين القوة الدولية

 

وكل ما تعرض له العراق من نكبات يعود في اغلبه إلى موقفه من الجوار والأشقاء ومصالح القوى الكبرى، فمذابح الموصل وكركوك وتمرد الشواف كان بتحريض مباشر من عبد الناصر ودعمه بالسلاح، وقبول بريطاني اميركي، وحتى التصعيد ضد العرش الهاشمي والتحريض على اسقاطه، لعب ناصر دوراً رئيساً في التهيئة له عبر وسائل الإعلام والاتصالات السرية بأطراف عراقية عديدة ومعرفة أميركية بريطانية. كذلك ردة شباط 1963، بأموال وتحريض مصريين ومساندة كويتية غير مباشرة بكل الوسائل، ودعم مخابراتي بريطاني أميركي.وفي عهد المؤسس فيصل تم القبول على ما جاء في أول ترسيم للحدود بين الكويت والعراق (الدولة العثمانية آنذاك) عام 1913 بموجب المعاهدة الأنجلو-عثمانية لعام 1913،التي تضمنت اعتراف العثمانيين باستقلال الكويت وترسيم الحدود. وقد نصت المادة السابعة من المعاهدة على أن يبدأ خط إشارات الحدود من مدخل خور الزبير في الشمال ويمر مباشرة إلى جنوب أم قصر وصفوان وجبل سنام حتى وادي الباطن. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة العثمانيين احتلت بريطانيا الأراضي العثمانية في العراق. وقد طالب أمير الكويت الشيخ أحمد الجابر الصباح في نيسان/أبريل 1923 بأن تكون الحدود هي ذاتها التي كانت زمن العثمانيين. ورد المندوب السامي بالعراق السير بيرسي كوكس باعتراف الحكومة البريطانية بهذه الحدود. وفي 21 تموز/يوليو 1932 أعترف رئيس وزراء العراق نوري سعيد بالحدود بين الكويت والعراق. وفي 4 تشرين الأول/أكتوبر 1963 اعترف العراق باستقلال الكويت وبالحدود العراقية الكويتية كما هي مبينة بتبادل بالرسائل المتبادلة في 21 تموز و10 آب. مع كل العواصف التي لازمت الحدود بين البلدين الشقيقين، وثيقي الصلة قبلياً والمصاهرة، كان الثابت هو ان حدود الكويت جنوب ام قصر وليس في ام قصر، وهو ما قبل به امير الكويت جابر الأحمد الجابر عام 1973، بعد أزمة مخفر الصانتة (الصامتة)، التي كنت في حينه طرفاً داعماً لجهود تجاوزها من قبل رئيس تحرير جريدة السياسة السيد أحمد الجارالله، وكنت الصحفي الوحيد الذي طلع صباح اليوم التالي من الاتفاق بعنوان "انسحاب الدبابات العراقية مع الضوء الأول..."، فيما لم يكن وزير الداخلية والدفاع في حينها الراحل الشيخ سعد العبد الله الصباح يعرف شيئاً عن الموضوع، وحين قيل له أن "فلان" كتب في "السياسة" الخبر، قال لهم "اذهبوا واسالوا حسين فوزي". أيامها كان أمير الكويت الراحل صباح الأحمد الجابر وزيراً للخارجية، والسيد محمد صبري الحديثي سفيراً للعراق في الكويت، والسيد جليل العطية ملحقاً صحفياً في السفارة. وهم من دعموا جهودي في تمكين السيد جارالله من زيارة بغداد ولقائه بنائب رئيس مجلس قيادة الثورة صدام حسين الذي اوعز بإنهاء مظاهر التوتر العسكري على الحدود، بعد إقامة سريعة في سويعات لمخفر عراقي في المنطقة سبب الأزمة.

 

استثمارات عائلية دولية وفطنة بدوية كويتية

 

إن القوى الدولية لها استثمارات كبيرة في الكويت، وهي قوة عالمية بعض معالمها ليست بحجم رساميلها وتعدد جنسياتها فقط، إنما من خلال "عوائل" حملة أسهمها، بضمنها الأسرة المالكة في لندن وكبار منصبي الرؤوساء في واشنطن مثل روكفلر وبوش ورامسفيلد وتشيني بشكل خاص. لذلك كان مقتل الملك غازي ومن بعده نوري باشا السعيد الذي دعا في اخر اجتماع لحلف بغداد حضره في لندن، إلى التحاق الكويت بالاتحاد الهاشمي طوعياً. بجانب تشريعه الأولي لقانون استرجاع الأراضي غير المستثمرة من شركات النفط (قانون رقم 80 لعام 1961 لاحقاً) ... وهما ذاتهما من الأسباب الرئيسة التي أودت بالفريق عبد الكريم قاسم تحت شعارات "الوحدة مع مصر" التي تبين أنها مجرد غطاء.والعراق الذي طحنته الحروب الخاسرة لأوهام القوة مع الجارة إيران وغزو الكويت والحصار القاسي وأخيراً الاحتلال الأميركي البريطاني المدمر لأغلب البنى التحتية، من مصلحته الحرص على التفاهم والتعايش مع دول الجوار عموماً، ومع الاشقاء العرب خصوصاً.وإذا ما كانت قضية الحدود مع السعودية قد حسمت بتقسيم المنطقة المحايدة بخط رسمه نائب رئيس مجلس قيادة الثورة عام 1975، وهو نفس العام الذي وافق فيه العراق على رسم الحدود مع الجارة إيران ايضاً وتقاسم شط العرب(!؟) فأن العراق المثخن بالجراح وافق على الالتزام بقرارات اللجنة التي شكلها مجلس الأمن بعد تحرير الكويت في عام 1991. وفي عام 1993 صدر قرار مجلس الأمن رقم "833" لترسيم الحدود بين الكويت والعراق، واعترف العراق به عام 1994.ومع أن مجلس الأمن أقدم على سابقة خارج صلاحياته، إلا انها تعبر عن الإرغام بفعل موازين القوة غير المتكافئة والأموال الكويتية السخية لكل الأطراف التي حررته، لكن البعد المهم حتى في القرار 833 أنه لم يرسم الحدود المائية، خصوصاً وأن طبيعة الجرف العراقي، برغم كل الجزر المصطنعة التي تقيمها الكويت، ستظل تستدعي قبول الكويت بعمق المنطقة الاقتصادية للعراق.لكن هذه الحقيقة ساهم بطمسها مسؤولون عراقيون اثقلت حقائبهم وحساباتهم هدايا الأشقاء الكويتيين، الذين يتطلعون إلى إدامة منابع نفطهم ومياههم وزرعهم بالتمدد في امتدادات الرميلة ومياه الخليج على حساب حقوق العراق التاريخية والموضوعية.وبقدر ما يؤمن العراقيون بضرورة الحرص على وشائج الأخوة والمصاهرة والجوار مع دولة الكويت الشقيقة، فأن ساسة الكويت المعروفين بدهائهم الفطري والمتوارث ومصالح الكبار في العالم الداعمة لهم، وهداياهم للعرش البريطاني وبقية عروش كبار رجال الأعمال متعددي الجنسيات، يراهنون على تمرير توسعهم في ظل ضعف الدولة العراقية، حيث سعى الأميركان إلى تفكيك العراق طائفياً وجهوياً وعشائرياً، وكأنه عاد إلى ما وصفه المرحوم فيصل الأول عام 1932 "ليس شعباً متماسكاً بل عشائرة وطوائف".

 

الربط السككي مع تركيا وحده ثروة مستدامة

 

ونصيحتي من بصرى طالما احترم الكويتيين الأشقاء، شأن اغلب مواطني البصرة الذين تعايشوا معكم في السكن وبساتين البصرة واسواقها: حافظوا على ما حصلتم عليه من اعتراف عراقي، لكن لا تتمادوا في التوسع، فخنق ميناء الفاو لا يمكن للعراقيين السكوت عليه، ولن يجلب الاستقرار لكم ولا للعراق، لتظل المنطقة كلها بؤرة توتر وحلب اصدقائكم الغربيين وغيرهم ايضاً.كما أن الربط السككي بين العراق والكويت، الذي عطلته بريطانيا قبيل الحرب العالمية الأولى، مخافة اقتراب الالمان وأوربا من محميات الخليج العربي والهند، سيكون هذه المرة بامتناع العراق لأنه لن يقبل بتخطي موقعه العالمي كونه صرة العالم.وفي الاتجاه ذاته، فبقدر ما تكون ضرورة الحرص، كل الحرص، على العلاقات مع جيراننا الجمهورية الإسلامية في إيران، فأن الربط السككي الذي يتم تحت عباءة تسهيل زيارة مراقد الائمة الأطهار، هو قبول ساذج يلغي مكانة ميناء الفاو في المواصلات العالمية، بالأخص المشروع الصيني للحزام والطريق.وإذا ما كان القبول بإلغاء فيزا المواطنين الإيرانيين مقبولاً احتراماً لمعتقدات الشعوب الإيرانية التي نتشارك معهم فيها بتبجيل سادتنا أهل بيت سيدنا الرسول محمد، رغم أنه اتفاق غير متكافئ، فأن الربطين السككيين مع الكويت وإيران المضرين بمصالح العراق الاستراتيجية، ناجمين عن غياب الاستقرار وتشتت الإرادة السياسية في وطننا العراق، وهو ما يشجع الجارين على توسع مشاريعهما على حسابنا وتوظيف الزمن لصالحهما في طمس مصالحنا الاستراتيجية...فيما سيظل تطوير الربط السككي والطريق البري مع الجارة تركيا، وهو ما حرص عليه فيصل الأول ونوري باشا السعيد، وتطور زمن الفريق عبد الكريم قاسم بخبرات روسية، ومن بعدها في ظل النظام الشمولي المخلوع، كونه ثروة وطنية مستدامة، بجانب خط انابيب النفط "الاستراتيجي" عبر الموانئ التركية، الذي تحمس له كثيراً زعيم النظام المخلوع، فيما عدته الأحزاب القومية قبل تموز 1958 خيانة للأمة كون نوري باشا السعيد كان الداعية الأول له.

 

 

 

 

 

المشـاهدات 326   تاريخ الإضافـة 16/09/2023   رقم المحتوى 29084
أضف تقييـم