الأحد 2026/1/11 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 9.95 مئويـة
نيوز بار
غرفة 726 تتجاوز الحكاية إلى سؤال الوجود
غرفة 726 تتجاوز الحكاية إلى سؤال الوجود
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

ناصر أبوعون

في هذه الرواية تَطَاول كعب الأديبة الإماراتية أسماء الزرعوني، بعد أن استوى أسلوبها على سوقه؛ كأدبٍ أخرج شطأه فآذرَ منتوجها الإبداعيّ الذي توالى في سلسلة من الإصدارات- وإن تنوّعت ما بين الكِتاب والمجموعة القصصية والرواية- منظومةً في سِلْكٍ سَرديٍّ واحد يكاد يُبِين عن جوهر الفكرة المركزيّة التي تطوف في مدارات مشروعها الإبداعيّ.

 في رواية (غرفة 726) دعت أسماء الزرعوني القاريء إلى الجلوس على مائدتها ليشارك في (إنتاج الدلالة)، ويتخطّى راضيًا مرضيًّا حاجز الفردانيّة، وينخرط بإرادته الواعية في (الوعي الجمعيّ)، ويتجاوز الحكاية مشهرًا سؤال الوجود.

وعبر تطبيقات (نظريّة التلقّي) كان المتن الروائيّ يجرّ الأفكار من رأسها ويأخذها إلى بحرٍ بلا شُطآن من التأويلات المنفتحة على عوالم لا متناهية من الرؤى،  وعند عرضها على مختبر (المنهج الثقافيّ) انسكب نهر من الأنساق الثقافية المضمرة. وهذا يدفعنا إلى القول: إنّ أسماء الزرعوني في رواية الغرفة 726 راهنت على قاريءٍ إيجابيٍّ وفاعلٍ وواعٍ؛ يمكنه أن يضيف إلى النّصّ، ويشارك في بناء المعنى.

في هذه الرواية فاجأت الزرعوني القاريء وأخذته في متاهة الأزمنة المتداخلة، ولأنها لاتَصوغ الأحداث الروائيّة وِفقَ التتابع التقليديّ والمعتاد وانفتحت على (تفكيك الداخل الإنسانيّ)، واتكأت على (فضاء مكاني/ غرفة 726) وصنعت منه على عينها (مركزًا دلاليًّا) واستثمرت حالة الغموض، وما يدور في فلكها من مشاهد مُتَشظية لتقدم لنا رِوايةً رمزيّة وسرد نفسيّة.

وما بين الجماليّ الآسِر، والثقافيّ المُوغل عقليًّا تَنْصِب أسماء الزرعوني أرجوحةً تعتصم بحَبْلين: (اللغة والسَّرد)؛ لغة بلاغيّة في أعلى مستوياتها تتوسّل بالشعر، والجمل القصيرة والمُختزلة، وسردٍ متكسّر يُشبه المرآة المشروخة تنعكس على سطحها الذاتُ المُتشظية في ملامحَ متجاورة ومتداخلة تتخذ من (الغموض) أداة فنية يتكشّف من خلالها العُمق الثقافيّ والنفسيّ. وهذا الأسلوب – دعنا نقول – المدرسة الكتابيّةُ التي تتبعها الزرعوني؛ له وظيفة ثقافية مُتَعالية لكونه يسعى إلى الكشف عن التمثيلات والأنساق والجماليات المختبئة تحت الطبقات الرسوبيّة من الغموض، فضلًا عن الإبانة عن الانسجام بين: الصورة/المشهد ونمط الإيقاع، وبلاغة الوصف.

وفي ضوء (نظرية التلقّي) أضحى قاريء لرواية مُشاركًا - مُريدًا لا مُجبرًا، وشغوفًا لاعنوةً- في إعادة إنتاج النصّ الروائيّ؛ ولكن عبر ثلاث مسارات متوازية: (تعدّد التأويلات) المنفتحة على عوالم لا متناهية، و(كسر أفق التوقّعات) سابقة التجهيز، و(إنتاج المعنى) وذلك بقدرته على إعادة بناء معمار الرواية، وِفْقَ تصوّراته وبعيدًا جدًا عن تخطيط الكاتبة.

فأمّا عن (تعدّد التأويلات) والذي يناسب شكل رواية الزرعونيّ باعتبارها نصًّا مفتوحًا يُراهن على الخِبرة الثقافية للقاريء ووعيه المتعالي. وبناءً عليه تتعدّد القراءات بأكثر من زواية وأكثر من رؤية؛ فمن حيث (القراءة الرمزية) تظهر الغرفة 726 كفضاء اجتماعيّ، ومن وجهة نظر القراءة الوجوديّة، تمثِّل لنا (الغرفة العزلة/ الصومعة) الفكريّة التي تبحث فيها عن المعنى، ومن زاوية القراءة النفسيّة تبدو لنا الغرفة انعكاسًا لعقل الراوي العليم.

وأمّا عن (كسر أفق التوقّعات) ووفق (نظرية التلقي) فقد أحدثت الزرعوني للقاريء (صَدْمة جماليّة) جرّت المتلقي من الهامش إلى المتن، وأجبرته على إعادة النظر في وسائله وأدواته القرائية الرتيبة والمعتادة، وأخرجته من جلباب أبيه المُتمثل في الاكتفاء بالقراءة العابرة والسطحية إلى الغوص في العالم الروائيّ للكاتبة، والتي نجحت في كسر أفق توقّعاتنا عبر ثلاث استراتيجيات، هي: التداخل الواعي بين الأصوات السرديّة، وتغليف المكان والزمان بغلالة شفيفة من الغموض يمكن فك أُحجيتها بعد لَأْيٍّ وإعمالِ فِكْر، وساعدها في بناء هذه الأحجية نجاحُها في تغييب الحبكة التقليديّة مع سبق الإبداع والترصد للقاريء.

وأمّا عن (إنتاج المعنى) فإنّ الزرعوني أشركتْ القاريء في إعادة بناء معمار روايتها بوصفه مُنتجًا للمعنى، ومِنْ ثَمَّ بالمتلقّي من كونه سكنًا لا دِيناميًّا، ومفعولًا به لا فاعِلًا، ومستهلكًا لا مُنْتجًا ومن الحالة السلبيّة السائلة والتقليدية المتوارثة إلى حالة القاريء (الفاعل والتأويليّ) الذي يُسهم طائعًا في إنتاج الدلالة. وتفاعل القاريء مع نص الرواية؛ كون الكاتبة لا تَعْمَدُ إلى المباشرة، وتوظِّف (الفراغات النصّية Textual Gaps)، وتفرش للقاريء بِسَاطًا سِحريًّا من الخيال يحمله إلى آفاق بعيدة، وتؤسِّس لمساحات شاسعة من التأويل وخاصة في (العلاقة بين الواقع والهلوسة)، و(طبيعة الغرفة)، وحقيقة الشخصيات).

وفي ضوء (المنهج الجماليّ) يمكننا اكتشاف العلاقة بين (النصّ الروائيّ) للكاتبة أسماء الزرعوني و(السلطة الاجتماعية) و(المعرفة) عبر محاور ثلاثة؛ هي: (تمثيل الذات الأنثوية)، و(تفكيك السلطة الاجتماعية والهيمنة الذكوريّة)، و(الغرفة بوصفها بنية ثقافية)؛ فأمّا من حيث (تمثيل الذات الأنثوية) عثرنا في رواية الزرعوني على مقاربة ومقارنة فكريّة تميط اللثام عن صورة المرأة الإماراتية التي تناقض صورة المرأة الضحيّة في كثير من المجتمعات الشرقية؛ فتظهر في صورة (وعي قلق)، و(ذات مأزومة)، و(كيان إنسانيّ) يقاوم بشدة ضغوطات التهميش والتشيء، ومن ثَمَّ تظهر في الخلفية الأنساق الثقافية المضمرة والمتعلّقة بـ(الجسد الأنثويّ والهويّة الوطنيّة، والسلطة الاجتماعية، والصوت النسْوِيّ المكبوت والمُصادر).

وأمَا من حيث (الغرفة بوصفها بِنْيَة ثقافية) فإنّ أسماء الزرعوني لم تنظر إلى (الغرفة 726) بوصفها عنصرًا جماليًّا فقط، بل حاملًا للأنساق الثقافية؛ فعكست لنا على سطح المتن الروائي فُقّاعات بل إشارات لِمَا يَعتمِلُ تحت السطح من (المكبوتات، وسيف الرقابة الاجتماعي المشهر في وجه الأنثى، والانكفاء على الذات) فأضحت (غرفة العناية المركزة/ 726) تمثَّل المُعادل الموضوعيّ للقيود الاجتماعيّة والنفسيّة، بل المرادف الدلالي للعُزلة سواء المُختارة أو المفروضة، وإشارة ترميزيّة للمساحة الضيّقة بين الوعي واللاوعي التي تنحشرُ فيها الذات الأنثويّة.

 وأمّا من حيث (تفكيك السلطة الاجتماعية والهيمنة الذكوريّة) وفق أدبيات المنهج الجمالي الذي يبحث فيما وراء الجماليّ؛ فإنّ رواية الزرعوني نجحت وبكل مكاشفة وصدق تُسَاءل السُّلْطة الاجتماعية من خلال ثلاثة مستويات، هي: (تفكيك السرد الخطي والتقليدي المتوارث، وتغييب الوضوح، وزعزعة المركز).

ويبقى القول: إنّ الخبرة الثقافيّة التراكميّة لدى الأديبة أسماء الزرعونيّ، وتمّاسها وحوارها الحضاريّ غير المباشر مع الآخر (الغربيّ والعربيّ)، والرَّغبة الفوّارة التي لا تهدأ في التجديد، والخروج عن التراكيب والأطر الكتابيّة التقليدية، والسعي الدؤوب إلى تقديم إبداع أصيل ومختلف وراء تميّزها، وما تتمتع به من قبول

المشـاهدات 50   تاريخ الإضافـة 10/01/2026   رقم المحتوى 69690
أضف تقييـم