| النـص : يقع كثيرون في الخلط و عدم التمييز بين العقد الاجتماعي و العقد السياسي، فيتورطون في خطأ علمي و منهجي. و ربما كان عدم التفريق أو إهماله في كتابات منظّري العقد الاجتماعي، سببا في هذا الخلط، فقد ركّز بعضهم على ضرورة وجود السلطة لتفادي الفوضى، لكنه لم يذكر الفرق بين الوجود السياسي للسلطة و الشكل الدستوري لها، و لم يضع البعض الآخر معيارا واضحا للفصل بين قبول الدولة عن قبول النظام السياسي المحدد. علاوة على ذلك، أساء البعض تفسير العقد الاجتماعي، بالموافقة على أي نظام سياسي، مع أن الاختلاف يقع في الأشكال السياسية دون انفراط العقد الاجتماعي. إن العقد الاجتماعي، هو التزام المجتمع بالنظام الاجتماعي، بينما العقد السياسي، هو التزام المجتمع بنظام سياسي معين. و السبب في الخلط و عدم التمييز، هو أن النظام الاجتماعي للمجتمع لا يتحقق إلا عبر سلطة عامة، و سلطة الدولة هي النموذج الأمثل لها. و بمقتضى العقد الاجتماعي، يتنازل أفراد المجتمع عن حرياتهم المطلقة لسلطة الدولة من أجل تنظيم شؤونهم و الحيلولة دون الفوضى و العنف و العدوان، و بما أن الدولة سلطة سياسية، لذا اختلط الأمر على البعض و اعتبر هذا العقد عقدا سياسيا، بينما هو عقد اجتماعي ينطوي على القبول بأصل وجود سلطة على المجتمع.أما العقد السياسي، فهو التزام المجتمع بنوع معين من السلطة السياسية و بنظام سياسي بمواصفات معينة. و الذي يعبّر عن هذا العقد السياسي، هو الدستور . و من هنا لا بد أن يجسد الدستور حقيقةَ الوفاق الوطني، و إلا فلا يتحقق عقد سياسي مجتمعي عام، يكتسب منه الحكم شرعيته. و المعيار في الوفاق الوطني، هو القبول الشعبي العام، سواء أ كان عبر الانتخابات كما هو الحال في الأنظمة التي تعتمد النظام الديمقراطي الانتخابي، أو عبر التأييد الشعبي المشهود للنظام السياسي.و هكذا يحصل التمييز المنهجي بين الأصل و الفرع، فالعقد الاجتماعي هو الأصل، إذ لا ينشأ أي نظام سياسي، إلا بعد التزام المجتمع بالنظام الاجتماعي و وجود سلطة عليا تديره، و العقد السياسي هو الفرع، لأنه يترتب على العقد الاجتماعي. و في التمييز بين العقد الاجتماعي و العقد السياسي، رد على محاولات اختزال الدولة في النظام السياسي الحاكم، مع أن الأصل هو التفكيك بينهما، و لا مصداق لهذا الاختزال، إلا في حالة انعكاس تهديد يقوّض النظام السياسي الحاكم، على التزام المجتمع بالنظام الاجتماعي نفسه، و هي حالة لا تتحقق على أرض الواقع إلا نادرا و لا يمكن أن تستمر.
|