| النـص :
تحت شمس الأنبار الحارقة وقفت ذات يوم أراقب عاملاً يردم أساس بيتٍ قيد البناء مشهد اعتيادي يتكرر في مدننا بلا انتباه لكن شيئاً ما استوقفني حين لمست التراب المتكدّس في الحفرة أدركت سريعاً أننا لا ندفن مجرد تربة عادية بل نوارِي تحت الإسمنت مادة تُعدّ من أثمن الموارد الطبيعية "السليكا" قلت لمن حولي وبشيء من الحسرة نحن ندفن ذهباً أبيض مادة تدخل في صناعة الزجاج والرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات والألواح الشمسية وحتى الصناعات الطبية والعسكرية مادة تُعد اليوم من ركائز الاقتصاد الصناعي الحديث بينما تُهدر عندنا بلا وعي وتُعامل كتراب لا قيمة له الأنبار بمساحاتها الشاسعة وتكوينها الجيولوجي تختزن واحداً من أنقى أنواع السليكا في العراق وربما في المنطقة ومع ذلك لا تزال هذه الثروة خارج حسابات الاستثمار الحقيقي غائبة عن السياسات الصناعية ومهمّشة في الخطط الاقتصادية لتبقى حبيسة الأرض أو تُستعمل في أعمال إنشائية بدائية لا تعكس حجم قيمتها الفعلية المفارقة المؤلمة أن دولاً لا تمتلك ربع ما نملكه من موارد طبيعية بنت اقتصادها على استثمار المعادن والرمال الصناعية وخلقت منها صناعات استراتيجية وفرت فرص عمل ورفعت الناتج القومي أما نحن فما زلنا نتعامل مع ثرواتنا بعقلية الاستهلاك اللحظي لا بعقلية التخطيط والتنمية المشكلة لا تكمن في العامل البسيط الذي يردم الحفرة بل في غياب الوعي العام وضعف رؤية المؤسسات وانفصال البحث العلمي عن القرار الاقتصادي فلا الجامعات مرتبطة بمشاريع استثمار حقيقية ولا الدراسات الجيولوجية تُترجم إلى مصانع ومنشآت إنتاج ولا الإعلام يسلّط الضوء بما يكفي على هذا النوع من "الثروات الصامتة" إن السليكا في الأنبار ليست مجرد مادة خام بل فرصة اقتصادية ضائعة ورسالة واضحة عن حجم ما نُهدره يومياً من دون أن نشعر فحين ندفن الذهب الأبيض نحن لا ندفن مادة فحسب بل ندفن معها إمكانية تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط وبناء مستقبل صناعي حقيقي ربما يبدأ التغيير من مشهد صغير من حفرة بيت ومن سؤال بسيط:كم ذهباً أبيض ما زلنا ندفنه بأيدينا؟
|