تقاسيم على الهامش
![]() |
| تقاسيم على الهامش |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب عبد السادة البصري |
| النـص :
(( حين تسكن المدينة الذاكرة ..)) هناك مدن تسكن أبناءها، وأخرى تعيش في حكاياتهم كذكرى، وأخرى تمرّ كالسحاب صيفاً دون أن تترك أثراً!! وحين تسكنك المدينة بكل تفاصيلها وتتغلغل مابين مسامات جسدك، لتشتعل روحك عشقاً وولهاً بها ولها، وتجد نفسك منجرّأً من تلابيبك لكل دقائقها ومعجوناً بها حدّ الذوبان والتماهي، ستفرد لها الساعات والصفحات وتعود بذاكرتك حيث الطفولة والصبا والشباب ؟! فكيف إذا كانت هذه المدينة تسكننا، وتحيا بذاكرتنا، بعد أن مسحت معالمها من خريطة الكون ذات حرب رعناء !! الفاو .. تلك المدينة الغافية عند تخوم البحر، ثغر العراق والبصرة المطلّ على الخليج بكلّ عواصفه وتياراته وصخب أمواجه الهادرة وملحه !! الفاو .. المدينة التي دخلتها الحضارة مع أول سفينة بحرية رست عند شواطئها، كما دخلتها جيوش الغزاة عند احتلالهم العراق لمرّتين، حيث كانت محطة للمسافرين القادمين عن طريق البحر دائماً !! الفاو .. مدينة الملح والحنّاء وغابات النخيل والأسماك والطيبة والبساطة والمحبة والتآخي منذ أول لبنة وضعها قادم من الجزيرة مروراً بالبصرة ليؤسس محطة استراحة للبحّارة !! وبعد اكتشاف النفط وبناء الميناء أضحت مدينة صناعية، بعدما كانت تعيش على الزراعة وصيد الأسماك، إنها مرسى البواخر الكبيرة والصغيرة العاملة في نقل النفط والتجارة وغيرها !! كان الخليجيون من أبناء الكويت والإمارات والبحرين يؤمّونها لنقل الماء العذب منها بواسطة اللنجات والابوام الى مدنهم ذات الماء المالح في قرون خلت قبل أن يتغير الحال بفعل الحكّام الطغاة والفاسدين !! أهلها صيادو الأسماك تربطهم والبحر رابطة صداقة وعداوة، فالبحر الذي يمنحهم خيره الوفير من الأسماك، كم أكل من أبنائهم البحّارة الذين غرقوا اثر عواصفه الهوجاء و بين أمواجه الهادرة !! كانت غابات النخيل والحنّاء تزيّن أرضها التي يجري الماء في سواقيها وأنهارها عذباً زلالاً قبل الخراب !! وبين النخيل كانت عرائش العنب والتين والرمّان والتفاح الأخضر وأنواع الخضروات !! ولأنها ميناء يستقبل البواخر من كل مدن العالم فقد انفتحت بحضارتها لتتلاقح وحضارات الشعوب كافة، فكانت بحق مدينة حضارية عالمية حيث تضم من المكتبات الأهلية ثمان، بالإضافة الى مكتبتها العامة الكبيرة، ومن السينمات أربع، بالإضافة الى النوادي الاجتماعية والمتنزهات الترفيهية والمقاهي والبارات وملاعب الكرة المختلفة !! هذه المدينة مُسِحَت من خارطة الكون اثر الحرب الرعناء في ثمانينيات القرن المنصرم، واحتلالها من قبل القوات الإيرانية وبعد ذلك تحريرها ليذهب مئات الآلاف بين قتيل وجريح ومفقود من الجانبين، مع دمارها بالكامل وطمس معالمها، وحين أعيد بناؤها إعلاميا وبشكل عشوائي لم تعد مثلما كانت أبداً، فاضطر أهلها أن يحملوها أيقونة في القلوب والذاكرة، إذ سكنت ذاكرة أهلها الطيبين الذين نزحوا عنها هاربين ذات ليلة هوجاء من عام 1980، وظلوا يتوارثون هذه الذكريات أجيالا من الأبناء والأحفاد!! الولد / الشاب/ الرجل الكبير الآن والطبيب ماجد عبد الحميد المطوري لم يترك تلك الذكريات أن تذهب أدراج الرياح والتي كان قد كتبها مذ كان فتى في الرابعة عشر من عمره لتكون حرزاً وتميمة يحملها أنّى حلّ به المطاف، وبعد أن قارب الستين قليلاً نشرها على الملأ كما هي في كتاب اسماه ( ذاكرة الحنّاء ) بمقدّمة كتبها الأديب النجفي العزيز أحمد الموسوي تحت عنوان ( عن حكايات المدن الآفلة ) يذكر فيها :ــ (في ذاكرة الحناء نلمس تلك المحاولات التي توثق الذاكرة الاجتماعية بحكايات على طرقة التصوير الفوتوغرافي لمدينة الفاو، وهي المدينة المنكوبة على مدار ربع قرن وأكثر، بحروب عبثية من العام 1980 صعودا الى ما بعد سقوط الطاغية والاحتلال الأمريكي للعراق .... ص8 ) ويذكر في مقدمته أيضاً:ــ ولا أقول إن هذه الحكايات مع غيرها كفيلة باستعادة تلك الثقافة، ويقصد ثقافة المدينة الآفلة ــ الفاو سابقا، فهذا اقرب إلى المحال ولكن تدوين الذاكرة الاجتماعية للمدن الآفلة هو أشبه بعملية وصل عضو مبتور في جسد الإنسان...ص9 ) ثم تجيء حكايات ماجد التي دوّنها وهو فتى في المتوسطة بعد نزوحهم القسري من مدينته كذكريات أيام الطفولة والصبا ذاكراً فيها أسماء وأماكن عديدة لا أريد الخوض فيها الآن، بل سأفرد لها مقالاً خاصاً بها، لكنني سأذكر ما جاء في الحكاية رقم 49 عن الأستاذ عبد الكريم جاسم مدرس الفيزياء الرياضي والنزيه والطيب حامل الفكر الشيوعي الوطني الذي لم يساوم أو يهادن أبداً، بل ظلّ شامخاً حتى استشهاده على أيدي الجلادين عام 1979 ، ومن الجدير بالذكر أن الشهيد البطل أستاذ كريم درّسني في الثاني متوسط عام 74 في ثانوية القدس!! لا أريد أن أطيل في حديثي عن ذاكرة ماجد الحنّائية التي أعادتني الى تلك الأيام فاغرورقت عيناي بالدموع لأنني سأتوقّف عندها في محطّة أخرى ، هنا فقط أردت أن أحيي ذاكرته الرائعة واطلب من الجميع ان يدوّنوا ما بذاكرتهم ليقرأ الأجيال اللاحقة عن مدينة ليست كالمدن الأخرى ابداً،، إنها تسكننا بكل تفاصيلها وحكاياتها وناسها . مبارك للدكتور ماجد عبد الحميد المطوري على ما جادت به ذاكرته . |
| المشـاهدات 41 تاريخ الإضافـة 02/03/2026 رقم المحتوى 70709 |
أخبار مشـابهة![]() |
على ورق الورد
بذور الطيب التي زرعها الرواد |
![]() |
رئاسة الجمهورية تدعو لوقف الاعتداءات والعودة إلى الحوار والدبلوماسية
العراق يدين الاعتداءات على وسط اراضيه ويعدها تهديدا للامن والاستقرار |
![]() |
العراق يتحرك لإيجاد بدائل لصادراته النفطية بعد إغلاق مضيق هرمز
اوبك+ يوافق على زيادة حصة العراق الانتاجية بدءاً من نيسان |
![]() |
منافسة عُمانية-صينية على المشروع
إنجاز 88% من تصميم سكك حديد طريق التنمية |
![]() |
الايسيسكو تدرج مواقع اثرية في الشارقة على قائمة التراث الاسلامي
|
توقيـت بغداد









