الإثنين 2026/3/9 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم جزئيا
بغداد 17.95 مئويـة
نيوز بار
ما قبل النقد الدراما حين تستعيد الذاكرة العراقية
ما قبل النقد الدراما حين تستعيد الذاكرة العراقية
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

حمدي العطار

مقدمة

ليست الدراما وسيلة ترفيه رمضاني فحسب، بل قد تتحول في لحظات تاريخية معينة إلى وثيقة جمالية تستحضر الذاكرة الجمعية وتفتح ملفات مسكوتاً عنها. ومن هذا المنطلق يأتي مسلسل «اسمي حسن» الكاتب " حامد المالكي"بوصفه عملاً درامياً يحاول إعادة تمثيل مرحلة من أكثر مراحل العراق قسوة وظلاماً، مرحلة الاعتقالات التعسفية والتعذيب والتسفير والمقابر الجماعية، حيث لم يكن الاسم فقط تعريف، بل قد يكون تهمة جاهزة للموت.

أولاً: النص والطرح الدرامي

يتسم المسلسل بمعقولية النص، وجمالية الحوار، وتوازن البناء الدرامي بين تطور الأحداث ونمو الشخصيات. الفكرة التي أراد الكاتب إيصالها تتمحور حول كشف حجم الظلم والقسوة اللذين تعرض لهما الشعب العراقي في ظل الدكتاتورية، مع الإشارة إلى استهداف قوى سياسية متعددة، من الشيوعيين إلى حزب الدعوة، ومن العرب إلى الكرد والأقليات.

ويحسب للعمل أنه لم يقع – حتى الآن – في فخ الانتقائية الحزبية أو طمس دور طرف لصالح آخر، بل حاول إظهار حجم المأساة المشتركة، وإن بقيت بعض الإشارات بحاجة إلى تعميق درامي أكبر.

ثانياً: دلالة الاسم… حين يصبح «حسن» جريمة

الحدث المحوري في المسلسل يدور حول اعتقال خمسين شخصاً لمجرد أن اسمهم «حسن»، تحت ذريعة البحث عن مناضل مطلوب. هنا تتحول الهوية الشخصية إلى تهمة، ويتحول الاسم – الأكثر شيوعاً في العراق – إلى قدر دموي.

هذا الاشتغال الرمزي ذكي درامياً؛ إذ يكشف عبثية السلطة وخوفها، ويجسد فكرة أن الأنظمة الشمولية لا تخشى الأفراد بقدر ما تخشى الفكرة.

حسن الحقيقي – الشاب الشيوعي الذي استشهد والده عام 1963 على يد ميليشيات الحرس القومي – يجد نفسه ممزقاً بين حبه وحياته الخاصة، وبين إحساسه الأخلاقي بالمسؤولية تجاه الأبرياء الذين اعتقلوا باسمه. لحظة تسليمه نفسه للأجهزة الأمنية تمثل ذروة أخلاقية وإنسانية عالية، تعيد الاعتبار لفكرة التضحية بوصفها فعلاً واعياً لا بطولة استعراضية.

ثالثاً: الحوار والأداء

جاء الحوار في معظم مشاهده مكثفاً ومعبراً، خصوصاً في المواجهات بين حسن ووالد حبيبته التاجر (الذي أدى دوره باقتدار الفنان محمود أبو العباس). تلك الحوارات لم تكن مجرد تبادل كلامي، بل صداماً بين رؤيتين: رؤية تؤمن بالموقف والمبدأ، وأخرى تحتمي بالمصلحة والحياد الحذر.

كما أعاد المسلسل إلى الواجهة مشاهد التسفير القسري لما عُرف بـ«ذوي التبعية»، مجسداً معاناة العوائل التي جردت من كل شيء، وألقي بها عند الحدود، في واحدة من أكثر صفحات التاريخ العراقي إيلاماً.

رابعاً: الدراما كوسيط نقدي

من مهام الناقد الدرامي ألا يكتفي بتلخيص الأحداث، بل أن يقرأ العمل بوصفه خطاباً ثقافياً. فالمشاهد العادي قد يركز على القصة والحبكة، بينما ينشغل الناقد بتحليل البنية السردية، وبناء الشخصيات، والرموز، ودلالات الصورة.

«اسمي حسن» لا يقدم فقط حكاية ماض مؤلم، بل يطرح سؤالاً أخلاقياً:

هل يمكن للذاكرة أن تكون وسيلة للشفاء؟ أم أنها إعادة فتح للجراح؟

خامساً: الذاكرة والجمهور

في ليالي رمضان، ونحن نتابع العمل، نشعر وكأننا ننكأ جراحاً قديمة. نستعيد الخوف الذي ترسب في أرواحنا، وربما في جينات أبنائنا. لكن المفارقة أن عرض هذه الجرائم اليوم، علناً، في عمل تلفزيوني، هو بحد ذاته فعل انتصار رمزي على الخوف.

لقد جسد المسلسل مقولة: «دوام الحال من المحال»، وأعاد الاعتبار لأصوات ظلت صامتة لعقود.

*الخلاصة

«اسمي حسن» ليس  مسلسل سياسي فحسب، بل محاولة لاستعادة الكرامة عبر الفن. قوته تكمن في صدقه العاطفي، وفي قدرته على تحويل الاسم الفردي إلى رمز جماعي. غير أن نجاحه الحقيقي لن يقاس فقط بنسبة المشاهدة، بل بقدرته على إثارة نقاش وطني صريح حول الماضي، بعيداً عن الانتقائية أو التوظيف السياسي.

فالدراما حين تلامس الحقيقة، لا تكتفي بإعادة تمثيل الألم، بل تضعنا أمام مسؤولية فهمه.

أسئلة نقدية استفزازية حول الدراما العراقية

هل أصبحت الدراما العراقية أسيرة الماضي السياسي، أم أنها عاجزة عن إنتاج سرديات معاصرة بذات العمق؟

هل تقدم الدراما قراءة تاريخية متوازنة، أم أنها تقع أحياناً في إعادة إنتاج خطاب حزبي بلبوس فني؟

لماذا ما يزال النص الدرامي العراقي أضعف من مستوى الأداء التمثيلي في كثير من الأعمال؟

هل تخضع الدراما اليوم لرقابة سياسية غير معلنة تحد من جرأتها في تناول الحاضر؟

أين موقع المرأة في الدراما السياسية العراقية: فاعلة في الحدث أم مجرد ضحية؟

هل تعتمد الدراما العراقية على استدرار العاطفة أكثر من تعميق التحليل؟

لماذا لا نشهد أعمالاً تتناول الفساد المعاصر بالجرأة ذاتها التي تتناول بها جرائم الماضي؟

هل ما زالت الدراما أداة تنوير، أم تحولت إلى وسيلة موسمية مرتبطة بسباق رمضان؟

هذه الاسئلة  ومعها  الإشارات النقدية الأخرى تحتاج الى وقفة ثانية لعلها ستكون في منصة الاسبوع الادبي ضمن نشاط اتحاد الادباء والكتاب  وهو يستضيف المؤلف حامد المالكي!

المشـاهدات 30   تاريخ الإضافـة 09/03/2026   رقم المحتوى 70778
أضف تقييـم